مقالات

د . طارق محمد عمر يكتب: امرأة تخترق معسكر المهدي .

حكمدار السودان غردون باشا كان ضابط مخابرات تحت غطاء هندسي وإداري .

عندما اشتد حصار المهدي على الخرطوم من جهات امدرمان والخرطوم وبحري ، وفقد الاتصال بقوة طابية امدرمان نتيجة لقطع سلك الهاتف الواصل بين الطابية وقصر الحكم ، بعد حفر انصار المهدي خندقا بين النيل الأبيض وطابية امدرمان وفشل مخابراته المتنكرة على هيئة صيادي اسماك في جمع معلومات ذات قيمة عن المهدي وقواته ، فكر غردون في اختراق معسكر المهدي الواقع بين قصر الشباب والاطفال الآن وحي العشرة جنوب الجامعة الاسلامية بقوات فاقت ال 40 الف مقاتل .

اصطفى غردون ضابطة امن كفؤة تنتمي لقبيلة الشايقية واستدعاها الى القصر ووضع لها خطة استخبارية محكمة لاختراق معسكر المهدي والتعرف على مكانه وكبار القادة وكشف خططهم ونواياهم ، كانت الضابطة تخرج من القصر ( القصر الجمهوري بعد الاستقلال) وتسبح على النيل الازرق حتى مجمعه بالنيل الأبيض فتخرج عند ضريح الشيخ بر ابو البتول ( المجلس الوطني ) والنيل هنا عميق مما يدل على تمكنها من السباحة ، ثم تتجه راجلة حتى مقر النساء اللاتي يصنعن الطعام والشاي للمهدي وقواته ، وكن لكثرتهن لايعرفن بعضهن بعضا الا من اتين من جهة واحدة ، لذلك لم يكن وجودها مستغربا او لافتا للنظر وهذا يوضح خبرة ودهاء غردون في الجانب الاستخباري .

في الصباح تشلرك في توزيع الشاي ثم وجبة الفطور والغداء ، وكان الطعام يوضع في اوان كبيرة تسمى القداحة ام خرز في لشارة الى حلقات حديدية على حوافها تساعد على سحبها لثقلها خاصة بعد تعبئتها بالطعام ، ويسع القدح عشرة اشخاص في المرة الواحدة ثم الذين يلونهم .

كانت ضابطة مخابرات غردون تسترق السمع وتنصت لحديث الجند والقادة وما صدر عن المهدي من توجيهات ، وتعاين نوع السلاح والذخائر والسلاح الابيض وترصد معنويات الجند ……الخ .

وبعد مغيب الشمس تتظاهر بانها تريد الاستحمام في النيل فتسبح عابرة مقرن النيلين فالنيل الازق سابحة عكس التيار حتى مبنى القصر وهي مسافة تقدر بثلاث كيلومترات ، وتخرج من النيل قبالة القصر مباشرة وتلتقي غردون مبتلة الملابس فتسرد له كل ما سمعت ورأت ثم تعود ادراجها بذات الطريقة وتبيت مع النساء في المكان المخصص لهن .

استمرت هذه العملية قرابة الخمسة اشهر وتوقفت حينما اقتحمت قوات المهدي الخرطوم وقتلت غردون وكبار القادة وقناصل الدول ونحو 25 الف اجنبي .

جل ان لم يكن كل اعضاء الاجهزة الامنية واغلبهم شايقية افلتوا من القتل وجمعوا صفوفهم سرا واخترقوا نظام المهدي وخليفته التعايشي بإحترافية ووافوا عقيد المخابرات البريطاني روقنالد ونجت بالتقارير في معسكره على الحدود السودانية المصرية .

اذن المراة السودانية تصلح لعمل المخابرات لذكائها وعزيمتها وكفاءتها وشجاعتها ، تعمل في احلك الظروف وتقتحم الصعاب تضحية وفداء ولاتعرف الهرب .

د . طارق محمد عمر .

رئيس لجنة الشؤون الأمنية بتجمع الاكاديميين والباحثين والخبراء السودانيين .

الخرطوم في يوم الاحد 13 سبتمبر 2026 .

النصر نيوز

المدير العام ورئيس التحرير:     ام النصر محمد حسب الرسول

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى