مقالات

د. طارق محمد عمر يكتب: سلاطين باشا

رئيس لجنة الشؤون الأمنية بتجمع الاكاديميين والباحثين والخبراء السودانيين

اسمه رودلف كارل سلاتين ، نمساوي الجنسية ، ولد في العاصمة فيينا بتاريخ 7 يونيو 1857، في أسرة ثرية ، يهودية تنصرت .
اكمل دراسته الأساسية في فيينا والتحق باكاديمية النمسا العسكرية .
اجاد اللغات الألمانية والفرنسية والانجليزية والتركية والعربية .
زار السودان لأول مرة تحت غطاء السياحة والتجارة سنة 1879 وعمره 22 عاما، ووصل المديرية الاستوائية وتعرف على مديرها غردون باشا الذي عرض عليه الالتحاق بجيش الخديوي ، فطلب مهلة للتفكير والرد ، واشترى بضاعة عبارة عن سن فيل او العاج وعاد إلى النمسا واصبحت بينه وغردون مراسلات ، ثم عاد الى السودان ثانية والتحق بالجيش ويبدو انه التحق بادارة الاستخبارات العسكرية ، ومعلوم ان غردون مهندس ورجل استخبارات واداري .
بعد تخرجه عين سلاطين مفتشا للضرائب ، ثم مفتشا لمديرية دارفور 1881 , ثم حاكما لدارفور 1883 وعمره 26 عاما وكان صبيان دار فور يحبونه ويسمونه ( سلتان سلاتين ) .
تجلت مواهبه الاستخبارية عندما حاصرته قوات الثورة المهدية في العام 1883 فكان يرسل التقارير مع المسافرين داخل تجاويف القنا وبين النصال وعيدان الحراب او يخيطها في جيوب الملابس او أرضية النعال او وسائد السروج ، ذلك بعد قطع اسلاك الهاتف والتلغراف ، واضطر للاستسلام في العام 1884 , بعد أن اشهر إسلامه تقية وسمى نفسه عبد القادر .
ارسل مخفورا إلى المهدي في الأبيض وبايعه بعد أن ردد شهادة الإسلام أمامه ، فاتخذه مترجما للخطابات الواردة من غردون باللغات الأجنبية ليرد عليها كتابة وفقا لما يدلي به المهدي من اقوال .
صحب المهدي مترجما في زحفه نحو الخرطوم وظل معه في معسكر أمدرمان .
كانت خطابات غردون بالإنجليزية والفرنسية والالمانية لعلمه بأن الأنصار غير ملمين باللغات الاوروبية ، وكان يضمن خطاباته اسئلة استخبارية لاينطقها سلاطين ويرد عليها كتابة ضمن ردود المهدي .
حددت إقامته في أمدرمان بالقرب من منزل المهدي والخليفة عبد الله لاغراض الترجمة وان يكون تحت النظر .
ختنه الخليفة وزوجه من امرأة من أمدرمان تدعى خديجة، ورزق منها ببنت اسمها رجينا وابنين يدعيان رودلف وفريدريك ، جميعهم ولدوا في أمدرمان إبان فترة الأسر .
رسم عقيد المخابرات البريطانية روقنالد ونجت خطة هرب سلاطين واسرته واعلمه بها في إعلان بصحيفة طبعت له خصيصا ، فادعى سلاطين المرض وطلب من الخليفة الإذن بدخول الخشبة وهي تعني الاعتكاف في المنزل وتناول طعام ماسخ .
كان خليفة المهدي يشك في نوايا سلاطين وانه يرتب للهرب ، فكان يرسل له ليلا عناصر امنية للتأكد سرا من وجوده ، وكان سلاطين يسمع همهماتهم وصوت وقع أقدامهم ويرجح انهم من جواسيس الخليفة .
تاجر اغريقي في سوق أمدرمان يدعى دمتري ربما كان زوجا لشقيقة سلاطين سلمه جنيهات ذهبية وأذن مرور بإسم مزور ، ربما احتاجها في سفريته .
مثلما شارك في التمويل والتخطيط تاجر سوداني بسوق أمدرمان يدعى الصادق عثمان ، واحمد العجيل وهو مهرب محترف من الجعليين وبعض مهربي العبابدة .
الهروب كان ليلا في يوم عاصف شديد البرودة ، والطرقات خلت من المارة والكل معتكف في بيته عقب صلاة العشاء من شدة البرد ، خرج سلاطين وزوجته واطفاله الثلاث وابن اخته نيكولا كيدفانيس وكان في صباه الباكر , ولاحقا أصبح والدا لديمتري البازار ابو الفن .
خرجوا مشيا على الأقدام لأكثر من مئة وخمسين متر حيث كانت في انتظارهم بعض الحمير التي اقلتهم غربا ثم شمالا حتى مشارف حدود أمدرمان الشمالية ، فكانت الجمال في انتظارهم ومعها الدليل احمد ود العجيل ، ركبوا عليها وأنطلقت بهم بأقصى سرعة في رحلة قاسية امتدت لثلاثة ايام .
استقبل سلاطين وزوجته واطفاله في معسكر كتشنر وونجت على الحدود السودانية المصرية وقوبل بفرح شديد وحفاوة وتكريم وتمت ترقيته لرتبة اميرالاي اي عميد ، ومنح 15 يوما للراحة وكتابة تقرير ضاف عن الثورة المهدية وامدرمان العاصمة الوطنية، وهذا التقرير أصبح كتابا بعنوان السيف والنار .
عاد سلاطين وزوجته وبنته وابنيه ونيكولا حفيد اخته إلى السودان مع جيش كتشنر ، وبعد انتهاء معركة كرري في ساعتين كلفه كتشنر بالتعرف على قادة الثورة المهدية واعتقالهم ،ثم كلفه بتأسيس قلم المخابرات مع ونجت وصموئيل عطية ونعوم شقير ليكون إدارة تتبع لجيش المحتل فقوات دفاع السودان لاحقا .
خصصت لسلاطين مساحة ارض جنوب مسجد المهدي الذي يعرف بمسجد الخليفة فشيد عليها منزلا من طابقين بالطوب الأحمر والطين اللبن ، هذا المنزل آل لآل ابوالعلا ثم اشتراه حزب الامة ليصبح داره الرئيس ، وهو مثلث الشكل .
من أقوال سلاطين : تطور الشعب السوداني لايتحقق الا بتخلصه من العنصرية والجشع .
د. طارق محمد عمر .
رئيس لجنة الشؤون الأمنية بتجمع الاكاديميين والباحثين والخبراء السودانيين .
الخرطوم في يوم السبت 22 أغسطس 2026 .

النصر نيوز

المدير العام ورئيس التحرير:     ام النصر محمد حسب الرسول

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى