د. طارق محمد عمر يكتب: الجنوب

نقول الجنوب ونعني جنوب السودان الذي أصبح دولة معترف بها .
هجرات من الحبشة ووسط وجنوب أفريقيا كونت مجتمع جنوب السودان ، كل له عاداته وتقاليده واعرافه ولغته ومعتقده الموروث ، لذلك لم يتحقق الانسجام المطلوب لتأسيس دولة مستقرة يسودها السلام .
بحكم وجود شماليين تجار وموظفين وشيوخ خلاوى في الجنوب ، انتشرت اللغة العربية واضحت رابطا تفاهميا مشتركا بين الاثنيات متعددة اللهجات .
حتى نهاية الثورة المهدية 1898 كانت العلاقات طيبة بين الجنوب والشمال ، ولم تعتكر الا بعد مزاولة الكنائس الغربية نشاطها في الجنوب بتصديق من المستعمر البريطاني، ذلك ان الكنائس نفسها تعيش صراعا دينيا مذهبيا وطائفيا فيما بينها ولاتعترف ببعضها البعض ، هذا الخلاف المذهبي تنزل على اثنيات الجنوب فخلق فجوات يصعب تجسيرها ، واستحلت الدماء والأعراض والاموال ، يضاف إلى ذلك الصراع الغربي السياسي والتنافس الاقتصادي الذي عكسته الكنائس مما زاد الطين بلة .
عملت الكنائس الغربية والمستعمر البريطاني على عزل الجنوب عن الشمال بقانون المناطق المقفولة لان الشمال بثقافته الواحدة يحقق الوحدة بين اثنيات الجنوب وبينها والشمال .
اهتمام اسرائيل بالجنوب يعود لفكرة المفكر اليهودي هرتزل مطلع القرن العشرين بإيجاد وطن يجمع اليهود من الشتات ، وكان الجنوب احد الخيارات ولم يزل خيارا احتياطيا حال حرر المسلمون فلسطين .
تمرد 1955 تسببت فيه الكنائس والمستعنر البريطاني لاستشعارهما حتمية الاستقلال المحقق للوحدة والوئام .
استمر التمرد بدعم من حكومة ناصر المصرية التي خابت مساعيها لاتحاد السودان ومصر في دولة واحدة ، ومن أمريكا حين اختار السودان الانضمام لمنظومة دول عدم الانحياز ورفض معونتها كونها مدخلا لاستعمار جديد .
وضعت حرب التمرد اوزارها مكافأة من أميركا والغرب للنميري الذي اعدم قادة الشيوعي وانحاز للمعسكر الغربي .
تجدد التمرد سنة 1982 بعد أن تأكدت المخابرات الأمريكية والكنائس الغربية من جدية نميري في اصدار قوانين اسلامية .
ثم استعر التمرد إبان حقبة الصادق المهدي لانه اختار المحور الايراني عوضا عن الغربي .
وتفاقمت الحرب بعد مجيء الاسلاميون بثورة الإنقاذ الوطني 1989 واكتشاف النفط في الجنوب ، ذلك بتفعيل أميركا مخططا أمنيا بريطانيا أسقط نظام حكم خليفة المهدي وجميع حكومات السودان المدنية والعسكرية ، ومن بنوده إشعال أطراف البلاد بالحرب لاستنزاف الموارد المالية والبشرية .
حق تقرير المصير وما ترتب عليه من استفتاء وانفصال كان بتدبير أمريكي غربي وضغوط على الرئيس البشير ونظام حكمه .
وكنت قد التقيت الراحل/ ادوارد لينو المستشار الأمني لقائد حركة التمرد سابقا جون قرنق ، فسألته عن خطوة الانفصال غير المدروسة فبكى وقال لي : لايوجد جنوبي واحد انفصالي .
المطلوب الان لاستقرار الجنوب ان ينفتح نحو السودان الذي مثل فيما مضى حاجزا لمنع الاحتكاكات الاثتية بين قبائل الجنوب وحظي بمقبولية مجتمعية كونه يقف بعدل وصدق من مسافة واحدة من الجميع .
هذا الطريق يؤدي للسلام والوئام ونهضة الاقتصاد والخدمات .
بعد أن قضي على معظم حركة تمرد الجنجويد ساق الحنين بعضا من أبناء وبنات الجنوب للعيش في الشمال خاصة الخرطوم فاخذونا بالاحضان والاعناق وزرفت الدموع ، وتلك بشريات سيكون لها ما بعدها .
الشمال لايطمع في خيرات الجنوب فلديه ما يكفي العالم ، لكنه يسعى لأخيه انسان الجنوب الصادق التبيل ، الذي افتقد .
د. طارق محمد عمر .
رئيس لجنة الشؤون الأمنية بتجمع الاكاديميين والباحثين والخبراء السودانيين .
الخرطوم في يوم الجمعة 21 أغسطس 2026










