دكتور الفاتح الحاج محمود يكتب: النظر القانوني والأمني في منح ترخيص المحول القومي للمعاملات المصرفية للقطاع الخاص
بقلم : دكتور الفاتح الحاج محمود المحامي والمستشار بالمصارف .

بسم الله الرحمن الرحيم
شرعت حكومة السودان متمثلة في البنك السودان المركزي في منــــــــح شركات من القطاع الخاص غير الحكومي ترخيصا في مجال تشغيل خدمة المحول القومي والمختص بإجراء تسوية المعاملات المالية المصرفية وحيث أن بنك الســـــــودان المركزي وحكومة السودان قد فشلا في توفير المحول القومي رأوا البحث عن أسهـــــــــل الحلول وهو أن يسمح لبعض الأشخاص في القطاع الخاص للقيام بهذا الدور ، وفي هذا المقال نريد توضيح بعض الجوانب القانونية التي يجب مراعاتها في إتخاذ مثل هذا القرار والتي أري بعضها يمنع تشغيل المحول القومي إلا عبر بنك الســـــودان المركزي وتحول دون العمل في الاتجاه الذي سلكه بنك السودان المركزي بالسماح لجهــات غير مرخــص لها بمزاولة العـــمل المصــرفي لتعمــل في تشــــــــــغيل المـحول القومي .
فمن المعلوم أن المحول القومي هو خزانة للمعلومات المالية وعملية تشغيله يجب أن تكون من اختصاص البنك المركزي لارتباطه أولا بمبدأ سرية المعلومات داخل الجهاز المصرفي وكذلك إرتباطه بالأمن القومي فحركة المعاملات من جــــــــانب والسيطرة عليها من جانب اخر تفرض قيام الدولة والبنك المركزي بالتحـــديد بذلك الدور، وسنبين في هذا الجزء من المقال العقبات القانونية التي تواجه بنك السودان المركزي في منح ترخيص تشغيل المحول القومي لجهات خاصة غير حكومية ومن تلك العقبات الاتي:-
أولا : القانون ينص علي سيادية تشغيل المحول القومي وإرتباطه بأمن المعلومات :-
لا يتجادل إثنان في أن المعاملات التي يجريها المحول القومي هي من صميم أمن السودان حيث أن معلومات حركة هذا المعاملات والتحكم فيها من جهة غير حكومية له مخاطر أمنية في المقام الأول وكذلك مخاطر إقتصادية إذا فشلت تلك الجهات الخاصة في إجراء هذه المعاملات كما يجب ولنا ما حدث خلال فترة الحرب التي مازالت أثارها تلقي بظلالها علي الجهاز المصرفي والإقتصاد عبرة عظيمة وحاضرة أمامنا الان ، لذلك نجد أن القانون لم يترك هذه الوظيفة بلا تنظيم بل جعلها من الواجبات الأساسية لبنك السودان المركزي حيث نص علي ذلك صراحة قانون بنك السودان المركزي لسنة 2002م في المادة (6) منه والتي جاء عنوانها مسؤوليات بنك السودان الأساسية وجاء في النص أنه منها علي الاتي : ( تنظيم وتطوير نظم الدفع والإشراف عليها لضمان سلامتها واستقرارها وكفاءتها ) ونصت المادة (41) من قانون بنك السودان المركزي لسنة 2002م علي أنه : (يجوز للبنك إنشاء نظم للتقاص والتسويات إلكترونياً أو يدوياً وينظمها وفقا لما تقرره اللوائح أو الأوامر) فهذه نصوص واضحة لا تحتاج لشرح في أن مسألة تسوية المعاملات المالية المصرفية إختصاص بنك السودان المركزي من ناحية قانونية وألفت النظر الي أن هذه المسألة فيها دور رقابي مهم للبنك المركزي يتعلق بمدي قدرة المصارف علي الإيفاء بإلتزامات العملاء وهذه التسويات تكشف قصور بعض المصارف فإذا المشغل لهذه المعاملات غير البنك المركزي فهذه يعني إخلاله بوظيفته الأساسية وهي أن سلطته علي المصارف يستمدها من تمثيله للمودعين وحماية حقوقهم .
ثانيا: عدم وجود قانون لنظم الدفع القومي :-
من العقبات القانونية التي تحول دون دخول القطاع الخاص غير الحكومي في تشغيل المحول القومي هو عدم وجود البنية التحتية القانونية التي تنظم العلاقات التقنية بين أطراف هذه العلاقات سواءا كان ذلك من ناحية الحق في منح الترخيص ومعاييره وضوابطه وحدوده ورسومه أو معالجة البيانات والمشكلات التي تحدث في إجراء هذه المعاملات وغياب هذا القانون له اثار سالبة علي إقتصاد السودان الكلي ومن أمثلته ماتقوم به شركات الاتصالات من خلق نقود الكترونية بلا غطاء كما يحدث الان في خدمات تحويل الأرصدة والتي يجب أن يكون إصدارها موازيا لأصول مودعة لدي البنك المركزي يتم الإصدار في حدودها وهو ليس موضوعنا الان ولكن من باب بيان أهمية هذا القانون الذي له أهمية حتي في تحديد المراكز القانونية المتعلقة بإفلاس العميل وتحديد ملكية الأموال عند حدوث وفاة العميل لحظة إجراء هذه المعاملات تقنيا وغير ذلك ، والذي أستغرب له أنني كنت عضوا في لجنة هذا القانون عكفنا عليه تسعة عشر شهرا حتي أنجزناه وكان ذلك تقريبا في العام 2018 تقريبا الا أنه حتي الان لم يصدر .
وهنا أود ألفت النظر لمسألة مهمة وهي أن بنك السودان المركزي أصدر لائحة تسمي لائحة تنظيم أعمال نظم الدفع أعطي فيها نفسه حق تشغيل المحول بواسطة غيره وهذه اللائحة باطلة لعدة أسباب ، أولها أنه مستندة في إصدارها الي المادة (60) من قانون تظيم العمل المصرفي لسنة 2002م وهذا القانون لم يتطرق لمسألة نظم الدفع من ناحية كما أن اللائحة لم تستوف الإجراءات المطلوبة لإجازة اللائحة التي يفرض القانون عرضها بعد صياغتها وقبل العمل بها الي المجلس التشريعي ، وهل يجوز لبنك السودان أن يشرع لنفسه نصوص تعطيه سلطة لم ينص عليها القانون وبلا أدني شك هو ليس سلطة تشريعية .
ثالثا: مبدأ سرية معلومات الجهاز المصرفي:-
من الموانع القانونية و منح ترخيص تشغيل المحول القومي لشركات القطاع الخاص غير الحكومي أن إتاحة حركة بيانات عملاء المصارف تعتبر إنتهاكا لمبدأ السرية المصرفية حيث أن حماية بيانات العملاء ومعلوماتهم من المبادئ المتفق عليها عالميا ومن أهم غاياته توفير الأمان لعميل البنك لتشجيعه في إيداع أمواله داخل الجهاز المصرفي وهذا المبدأ في السودان منع جهات حكومية من الحصول علي معلومات عن حســــــابات العملاء بما فيها مصـــــلحة الضرائب وهي جهة حكومية ، فكيف تتاح هذه المعلومات لجهات غير حكومية وقد نص على مبدأ سرية المعلومات الخاصة بالعملاء قانون تنظيم العمل المصرفي لسنة 2026 في المادة (97) منه حيث تقرأ الفقرة(أ) منها كالاتي 🙁 علي الرغم من أحكام أي قانون اخر ، تكون جميع حسابات العملاء وودائعهم وأماناتهم وخزاناتهم في الجهة المرخصة وكذلك المعاملات المتعلقة بها سرية ولا يجوز إطلاع أي شخص عليها او اعطاء بيانات او معلومات عنها بطريق مباشر او غـــــــــير مبــــــــاشر الا بإذن كتابي من صاحب الحساب أو الوديعة او الأمانة أو الخزينة او أحد ورثته أو من أحد الموصي لهم بكل او بعض هذه الأموال ، ويسري هذا الحظر علي جميع الاشخاص والجهات بما في ذلك الجهات التي يخولها القانون سلطة الاطلاع او الحصول علي الأوراق او البيانات المحظور افشاء سريتها طبقا لأحكام هذا القانون ويظل هذا الحظر قائما حتي لو انتهت العلاقة بين العميل والجهة المرخصة لأي سبب من الأسباب .) والجهة المرخصة التي تكلم عنها نص القانون فقد عرفها في المادة (5) منه أنه يقصد بها: أي شخص مرخص له بمزاولة أي عمل مصرفي بموجب أحكام هذا القانون.
وقد حدد القانون الجهات التي يحق لها إستثناءا طلب معلومات عن حسابات العملاء وهي بنك السودان المركزي والمحاكم والنيابات مع ملاحظة مهمة حتى المحاكم والنيابات قيدها بأن تطلبها عبر بنك السودان المركزي وكل هذا التشديد يدل على حرص المشرع على مبدأ الحفاظ علي سرية حسابات العملاء وعدم خرق هذا المبدأ بأي حال من الأحوال، ونعود للقول بأن إتاحة تشغيل المحول القومي لجهات غير بنك السودان المركزي يعتبر إنتهاكا صارخا لهذا المبدأ.
رابعا :- حوكمة شركات القطاع الخاص :-
لاحظت أن الشركات التي تسعي للحصول على منحها ترخيصا لتشغيل المحول القومي هي شركات منشأة ومسجلة وفقا لقانون الشركات السوداني وهذا الأمر يفتقر للنظر القانوني الصحيح والسليم المطلوب قانونا حيث أن قانون تنظيم العمل المصرفي وقانون الشركات قد نظما هذا الإجراء الخاص بالشركات التي ترغب في ممارسة العمل المصرفي أو أي جزء منه ، ولتوضيح هذه الجزئية نقول أن الشركة اذا كان ضمن أغراضها أنها ترغب في ممارسة العمل المصرفي أو أي جزء منه فلا يتم تسجيل هذا الغرض إلا بعد حصولها علي ترخيص بذلك من بنك السودان المركزي ، و السؤال الذي قد يتبادر الي الذهن هو هل العمل في مجال معالجة البيانات المصرفية وتسويتها الكترونيا يدخل ضمن الأعمال المصرفية التي تتطلب موافقة البنك المركزي ؟ والإجابة بالإيجاب حيث أن قانون تنظيم العمل المصرفي لسنة 2026م قد نص في المادة (8) منه علي الاعمال والأنشطة والخدمات التي تعتبر عملا مصرفيا حيث نص في الفقرة (و) من هذه المادة علي أن منها : ( أعمال وخدمات القيمة المخزنة للنقد وبطاقات الخصم والإئتمان والنقود اللاكترونية وخدمات الدفع والتحويل والتقاص الالكتروني وتأسيس وتملك الشركات التي تقدم هذه الأعمال والخدمات .) من هذا يتضح أنه قانونا لابد أن يتحقق مسجل الشركات وبنك السودان المركزي علي حصول الشركة التي ترغب في مجال الخدمات المصرفية الالكترونية علي ترخيص مسبق من بنك السودان المركزي لا كما يحدث الان من منح الشركات الخاصة الترخيص بعد تسجيلها لان منح الترخيص نفسه قد نظمه قانون تنظيم العمل المصرفي لسنة 2026م في المادة (9) منه وهي الشروط التي تؤهل الشخص لمنحه الترخيص وهي بمثابة معايير تجعل بنك السودان المركزي مسؤول قانونا في خالة ثبوت عدم إستيفاء الشركة التي منحها الترخيص ولم يثت إستيفائها لهذا المعايير ، حيث نصت الفقرة (2) من المادة (9) من قانون تنظيم العمل المصرفي لسنة 2026م علي يشترط لمنح الترخيص لمزاولة العمل المصرفي إستيفاء الإجراءات الاتية :-
(أ) التحقق من هوية المؤسسين والمساهمين عن طريق المستندات والوثائق الثبوتية الصادرة من جهات رسمية ومن مصادر مستقلة وغير ذلك من وسائل التحقق من الهوية .
(ب) إستيفاء المؤسسين لمعايير النزاهة .
(ج) التحقق من مصادر أموال المؤسسين والمساهمين والتعرف علي المستفيد الحقيقي .
(د) تقييم الملاءة المالية للمؤسسين والمساهمين والمستفيدين الحقيقين ، وذلك للتأكد من قدرتهم على الإلتزام بالمتطلبات الرقابية وتقديم الدعم المالي عند الحاجة مستقبلا .
(ه) التأكد من شفافية الهياكل القانونية والإدارية والتشغيلية وهيكل الملكية المقترحة ، والتحقق من وجود أي إرتباط بين المؤسسين والمساهمين وأي مجموعة مصرفية ، وتقييم أثر هذا الإرتباط للتأكد من أنه لن يعيق الرقابة الفعالة علي الجهة المرخصة أو الرقابة الموحدة علي المجموعة المصرفية وأن هذه الهياكل لن تعيق الإجراءات التصحيحية مستقبلا .
(و) مراجعة الخطط الإستراتيجية والتشغيلية المقترحة للتحقق من نظام الحوكمة وإدارة المخاطر والضبط الداخلي .
(ز) مراجعة القوائم والتوقعات المالية التقديرية للتأكد من كفاية القوة المالية لدعم الخطط الإستراتيجية .
(ح) التأكد من إستيفاء متطلبات الحد الأدني لرأس المال ، وبشكل عام ، يجب إستيفاء طلب الترخيص لجميع المتطلبات الرقابية السارية المطبقة علي المؤسسين والمساهمين والإداريين .
هذه المطلوبات عند النظر اليها من أول نظرة قد يظن ظان أنها فقط لترخيص المصارف ولكنها الأسس التي حددها القانون للترخيص بالاعمال المصرفية وكما ذكرنا سابقا انها تشمل حسب الفقرة (و) من المادة (8) أعمال وخدمات القيمة المخزنة للنقد وبطاقات الخصم والإئتمان والنقود اللاكترونية وخدمات الدفع والتحويل والتقاص الالكتروني وتأسيس وتملك الشركات التي تقدم هذه الأعمال والخدمات .
وكذلك نص القانون علي أنه من إشتراطات منح الترخيص أن تكون الأعمال المصرفية هي النشاط التجاري الوحيد للشخص طالب الترخيص .
والجدير بالذكر أن قانون تنظيم العمل المصرفي السابق لعام 2004 لم ينص في تعريفه للأعمال المصرفية علي أن الخدمات الألكترونية من ضمن العمل المصرفي وبالتالي فإن شروط الترخيص سابقا قد تختلف عن الحالية وتكون السابقة مقصورة علي المصارف .
نريد أن نذهب لأبعد من ذلك وندلف الي ماورد في لائحة شروط الترخيص بمزاولة العمل المصرفي للعام 2004م الصادرة عن بنك السودان المركزي حيث ورد فيها أن ماورد فيها من كلمات تفسر بنفس ماورد في قانون تنظيم العمل المصرفي لسنة 2004م ، وبما أن قانون تنظيم العمل المصرفي لسنة 2026م حل محله فيكون أنه لايجوز مزاولة العمل المصرفي إلا لشركات المساهمة العامة وفي حالة منح الترخيص لشركة خاصة إشترطت اللائحة أن تتحول لشركة مساهمة عامة وبالتالي يجب أن يكون عدد المساهمين فيها لا يقل عن سبعة أشخاص ويجب أن تلتزم بما ورد في قانون سوق الخرطوم للأوراق المالية فيما يتعلق بتداول الأسهم وغيرها من ضوابط حوكمة الشركات .
كما نص قانون تنظيم العمل المصرفي لسنة 2026م علي أن يكون الترخيص مبدئيا لمدة سنة بالنسبة للمصارف .
أختم هذا المقال بأن سياسات بنك السودان المركزي للعام 2026م تناولت مسالة التحول الرقمي ونظم الدفع وتعزيز الإطار القانوني والمؤسسي والإشرافي لنظم الدفع والمدفوعات الرقمية وتهيئة وربط البني التحتية لنظم الدفع الرقمي لتتكامل مع النظم الإقليمية والدولية وترقية نظام التسويات الإجمالية والانية وربطه بأنظمة المصارف مما يؤكد إستشعار البنك المركزي للقيام بهذه الدور وعليه نوصي بالاتي :-
1- إصدار قانون نظم الدفع القومي .
2- حصر تشغيل المحول القومي علي بنك السودان المركزي .
3- تفعيل شركة ( إي بي أس ) ومعالجة مشاكل الترهل الوظيفي فيها الذي أرهقها ماديا وقلل من كفاءتها ويمكن طرحها أسهم للجمهور للإكتتاب فيها أو تفعليها عن طريق المشاركة المتناقصة مع الجمهور
4- أو إنشاء شركة مساهمة عامة لامتلاك المحول يمتلك بنك السودان أكثر من 50% من أسهمها ويكون عائد إجراء الخدمة هي أرباح المساهمين فيها .
4- أو إمتلاك المحول بتسهيلات مصرفية خارجية .
الأستاذة أمنة ميرغني منذ توليها منصب محافظ بنك السودان اتابع تحركاتها وقراراتها فهي محافظ المرحلة بما تملك من قدرات ونتعشم في أن يجد ماذكرناها عندها إهتماما حفاظا علي المصلحة العامة وما أريد إلا الإصلاح ما استطعت وأسأل الله التوفيق للجميع .













