مقالات

شقلاوي يكتب: السودان… مأزق التقسيم الصامت

وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي

هل دخلت البلاد مرحلة التقسيم الصامت الذي يتشكل في الغرف المغلقة بعيدًا عن السودانين. فالتجارب السياسية تؤكد أن الدول لا تنقسم عادة بقرار مفاجئ، وإنما عبر مسار تراكمي تبدأ فيه مؤسسات الدولة المركزية بالتراجع لصالح سلطات موازية تكتسب مع الزمن شرعية الأمر الواقع.

هذا ما يجعل التطورات الجارية في دارفور وكردفان اليوم في غاية الخطورة، تتجاوز نتائج الحرب الدائرة بين الجيش ومليشيا الدعم السريع. فالمشهد الحالي يكشف بوضوح عن عملية إعادة تشكيل للسلطة والنفوذ والجغرافيا السياسية في بلادنا ، بالنظر الي تداخل الحسابات العسكرية مع المصالح الإقليمية والدولية، وتقاطع مشاريع الداخل مع أجندات الخارج.

منذ توقيع ميثاق نيروبي في فبراير 2025، انتقل تحالف “تأسيس” من مرحلة التحالف العسكري والسياسي إلى مرحلة بناء مؤسسات حكم موازية. مجلس رئاسي، مجلس وزراء، مجلس أمن ودفاع، ترتيبات لجيش جديد، أجهزة شرطية، مجلس للعملة، مؤسسات تعليمية، واخيرا امتحانات شهادة ثانوية، و جامعات. هذه ليست إجراءات مرتبطة بظروف الحرب ،هذه مكونات سلطة تسعى إلى ترسيخ نفسها باعتبارها بديلاً للدولة القائمة.

في العلوم السياسية، لا يُقاس خطر الانفصال بإعلان الاستقلال، وإنما بمدى قدرة الكيان الناشئ على احتكار وظائف الدولة داخل نطاقه الجغرافي. وكلما توسعت هذه الوظائف، وأُنشئت مؤسسات، أصبح الانتقال من الحكم الولائي إلى الانفصال السياسي، مسألة وقت وظروف مواتية. ولعل أجندات المحيط الإقليمي والدولي وأطماعه تعمل علي صناعة هذه الظروف.

ولذلك فإن أخطر ما يجري اليوم ليس تشكيل حكومة موازية، وإنما بناء منظومة حكم كاملة تحاول إنتاج ذاتها السياسية والإدارية والاجتماعية والاقتصادية بمعزل عن الدولة المركزية. فتنظيم الامتحانات، على سبيل المثال، لا يتعلق بالتعليم فقط، بل يحمل رسالة سياسية تقول هناك سلطة قادرة على إدارة مستقبل الأجيال وصياغة مؤسساتها بعيداً عن الخرطوم.

الأخطر أن هذه التطورات تجري في بيئة إقليمية ودولية طامعة. فقد حذر مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، من أن التدخلات الخارجية وتدفق السلاح يسهمان في إطالة أمد الحرب، وتعقيد مسارات التسوية. كما وصف ماركو روبيو الأسبوع الماضي الحرب بأنها حرب بالوكالة تتداخل فيها مصالح وأجندات قوى خارجية متعددة.

وبين التصريحين تتكشف حقيقة، أن السودان لم يعد ساحة صراع داخلي فحسب، بل أصبح جزءاً من شبكة أوسع من التنافس الإقليمي والدولي.

ومن هنا يبدو واضحًا أن بعض القوى الطامعة في موارد السودان وموقعه الاستراتيجي قد أدركت أن السيطرة على البلاد موحدة أمر متعذر، فانتقلت إلى استراتيجية بديلة تقوم على إضعاف الدولة المركزية وإنتاج كيانات سياسية رخوة يسهل التأثير عليها. فالتاريخ السياسي في إفريقيا والشرق الأوسط يقدم نماذج عديدة لمشروعات تفكيك لم تبدأ بشعار الانفصال، بل بدأت بترسيخ وقائع سياسية واقتصادية وأمنية انتهت لاحقاً إلى انفصال.

وفي هذا السياق، لم تعد دارفور مجرد إقليم يشهد حرباً، بل ساحة تتشكل فيها مقومات سلطة موازية تجمع بين النفوذ العسكري عبر الإمداد اللوجستي المنظم ،والإدارة المدنية والمؤسسات الاقتصادية، بما يقربها تدريجياً من خصائص كيان سياسي مستقل، حتى دون إعلان رسمي.

غير أن المسؤولية لا تقع على عاتق الجيش والحركات وحدها. فالمفارقة أن القوى السياسية السودانية تبدو حتى الآن منشغلة بخلافاتها القديمة أكثر من انشغالها بالخطر الوجودي الذي يواجه الدولة السودانية. فبينما تتسارع خطوات بناء الأمر الواقع في غرب البلاد، ما تزال النخب السياسية تدمن ذات الفشل في أسوأ مظاهره ، الاستقطاب والانقسام، و العجز عن إنتاج مشروع وطني جامع يخاطب أسباب الأزمة التاريخية ويعيد بناء الوطن .

كما أن القوى المجتمعية والإدارات الأهلية والنخب الفكرية مطالبة بالخروج من موقع المتفرج الواجف إلى موقع الفاعل المؤثر. فالحفاظ على وحدة السودان لم يعد مهمة الحكومة أو الجيش وحدهما، بل أصبح مسؤولية وطنية شاملة تتطلب من الجميع بناء جبهة مجتمعية تدافع عن الدولة وترفض تحويل التنوع السوداني إلى مشروع تفكيك سياسي.

أما الإعلام الوطني، فإن دوره في هذه المرحلة يتجاوز التغطية الإخبارية إلى صناعة الوعي. فالتحدي الحقيقي، في كشف التداعيات بعيدة المدى للحرب، وقراءة ما وراء الوقائع اليومية بانتباه ، وتنبيه الرأي العام إلى أن أخطر التهديدات هي تلك التي تتشكل بصمت حتى تبدو طبيعية ومألوفة.

بحسب #وجه_الحقيقة، فإن السودان يقف اليوم أمام لحظة فارقة في تاريخه، فخطر التقسيم أصبح مسار تتشكل بعض ملامحه على الأرض مع استمرار الحرب واتساع الفراغ السياسي وتزايد التدخلات الخارجية.

ومن هنا تقع المسؤولية على القيادة السياسية ومؤسسات الدولة والقوى الوطنية والمجتمعية والإعلامية للتوحد حول هدف : حماية البلاد ووحده أراضيها. فالأوطان لا تضيع دفعة واحدة، بل تتآكل حين يتأخر أهلها عن إدراك الخطر. وما تزال الفرصة قائمة، لكنها تضيق مع الوقت، قبل أن يتحول مأزق التقسيم الصامت إلى واقع لا تجدي معه التحذيرات.

دمتم بخير وعافية.

الثلاثاء يونيو 2026 م Shglawi55@gmail.com

النصر نيوز

المدير العام ورئيس التحرير:     ام النصر محمد حسب الرسول

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى