مقالات

قلم مخابرات النوبة

د.طارق محمد عمر

النوبة اول عنصر بشري قطن شمال السودان، على ضفتي التيل من اسوان حتى شندي و المتمة ، حيث أقام أولى الحضارات الإنسانية .

من مطلوبات الحضارة وجود حاكم و نظام إداري و امني و عدلي و جيش .

رماة الحدق الذين خاضوا معارك ضد المسلمين كانوا جيشا واي جيش تلزمه استخبارات عسكرية تكشف له نوايا و تحركات الخصم و عديده و عتاده و أسلوب قتاله ليخطط للمعركة .

انسحاب جزء من النوبة و اتجاههم جنوبا حتى جبال كردفان لم يكن أمرا عشوائيا إنما بعلم استخباري مسبق .

النوبة كانوا اساس القوات السودانية التي كونتها التركية السابقة 1821 و من لوازمها الإستخبارات .

الملك آدم دبالو الذي ناصر و آوى المهدي و اخفاه في مكان آمن فضلا عن استطلاعه قوات التركية السابقة ، كلها أمور تشير الي وجود أجهزة استخبارات و أمن ضمن قواته .

الثورة المهدية استفادت من أبناء النوبة الذين عملوا في التركية السابقة ، و لما ادركوا عسف حكم خليفة المهدي تسللوا إلى مصر سرا و انتظموا في اورط عسكرية ضمن الجيش المصري و لم يرد ان أحدهم ضبط عند تسلله و ذلك يشير الى تمتعهم بخبرة إستخبارية .

تلك الاورط تحركت في مقدمة جيش كتشنر للاستطلاع كونها خبيرة بالطرق و البيئات .

التنظيم الذي كونه الضابط علي عبد اللطيف و هو من أبناء النوبة و قد اطلق على تنظيمه اسم (جمعية اللواء الأبيض) ، كان تنظيما سريا ضم في عضويته نحو 76 الف عضو من مختلف أنحاء السودان ، و قد خاض به حربا استخبارية ضد المستعمر البريطاني، و حتى زوجته العازة كانت تتقن فنون المخابرات مثل التمويه و اخفاء الوثائق عن قلم مخابرات المستعمر .

القوات السودانية التي وقادها المستعمر البريطاني لفتح اوغندا و كينيا 1919 / 1920 و جلها من هجانة جبال النوبة بالضرورة سبقتها سرايا إستخبارية .

نصارى جبال النوبة بعضهم تتلمذ استخباريا على يد القسس و الرهبان الاوربيون انطلاقا من الإرساليات و الكنائس في منطقة الجبال .

في سنة 1957 كون الأب فيليب عباس غبوش تنظيما سياسيا أمنيا في جبال النوبة بايعاز من القسس و الرهبان الأجانب نكاية في السودان الذي استقل عن بريطانيا ، و كانت خلاياه الاستخبارية منتشرة في معظم ارجاء السودان خاصة العاصمة الخرطوم و تحديدا في الاوساط الحاكمة والجيش .

بعد تطبيق التشريعات الاسلامية عام 1983 و نشاط تمرد جنوب السودان الذي شارك فيهة بعض أبناء النوبة نفذ الاب فيليب غبوش محاولة انقلابية ضد نظام النميري و سرعان ما وئدت و اعتقل المنفذين و على رأسهم الاب فيليب الذي استرحم النميري و رجا عفوه فعفاه على ان لايعود لمثلها ابدا .

في عهد سوار الذهب عقد الاب فيليب سلسلة و من الندوات في مدن العاصمة الثلاث قال في احداها : كل مايدور داخل الجيش و القوات النظامية و دواوين الحكم و الادارة اعرفه في ذات اليوم ، حينها أيقنت بأن للرجل جهاز مخابرات يغطي الدولة ، و للكنيسة نصيب الأسد في حصيلته المعلوماتية على الرغم من وجود عضوية مسلمة و وثنية .

بعدها تحدثت الصحف و المجتمعات عن تدريب عناصر تتبع للاب فيليب فيو إسرائيل و كوبا على أعمال الاستخبارات .

كان نظام الإنقاذ ذو سطوة و قبضة أمنية صارمة لذا كان من الصعب لجماعة فيليب التحرك الا في حدود استخبارية ضيقة .

في العام 2007 جلس إلى جانبي أمام محل تجاري شاب أنيق من جبال النوبة و يبدو انه متعلم و مثقف ، تجاذبت معه أطراف الحديث عن الجبال ومجتمعها و ذكرت له تصريحات الأب فيليب ، و أوضحت له انني بصدد توثيق التجربة الأمنية لتنظيم الجبال و ان ذلك مهم للبلاد .

صمت لبرهة و قال : نعم لدينا جهاز امتي واسع الانتشار يتكون من مكاتب عديدة منها الاستخبارات العسكرية و الامن ومكتب المرأة و الطلاب ، و أضاف : بأنه لايملك التفاصيل لكن وعدني بالاتصال بإحدى كريمات الأب فيليب لتنظيم لقاء يجمعني به ، و بالفعل وافقت و حددت اليوم و كان حينها الأب غبوش طريح فراش مشفى الخرطوم التعليمي ، و شاء الله أن ينتقل إلى الدار الآخرة قبل يوم من الموعد .

بالبحث و التقصي اكتشفت ان المنظومة الأمنية لتنظيم الأب فيليب كانت أقرب للمدرسة الأمنية المختلطة التي تجمع بين المدرستين الشرقية و الغربية و مثالها المخابرات البريطانية ، الا انها أقرب إلى الشرقية الروسية لانتشلرها الافقي الواسع .

و بالناس المسرة و على الأرض السلام .

د. طارق محمد عمر .

الخرطوم في يوم الجمعة 2 مايو 2025 .

النصر نيوز

المدير العام ورئيس التحرير:     ام النصر محمد حسب الرسول

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى