جرائم مليشيا الدعم السريع: بين انتهاك القوانين وإرادة الشعب السوداني
بريق العابرين : رائد دكتور هشام الشيخ العوض

الحروب، مهما كانت دوافعها، تخضع لقوانين وأحكام ومواثيق دولية تهدف إلى حماية المدنيين وتقليل أضرار النزاعات. وعلى مر العصور، كانت الحروب جزءًا من حياة البشر، إلا أن الإسلام وضع قواعد صارمة تضبط السلوك في الحروب، تضمن احترام الإنسان والحفاظ على ممتلكاته. وقد كان النبي الكريم، صلى الله عليه وسلم، ومن بعده الخلفاء الراشدون، من أوائل من وضعوا مواثيق واضحة للجند تمنع تجاوز الحدود الإنسانية والأخلاقية. ففي وصية أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، لجند الإسلام قال: “يا أيها الناس، قفوا أوصيكم بعشر فاحفظوها عني: لا تخونوا ولا تغلوا، ولا تغدروا ولا تمثلوا، ولا تقتلوا طفلًا صغيرًا، ولا شيخًا كبيرًا ولا امرأة، ولا تعقروا نخلًا ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرًا إلا لمأكلة.”
لكن ما شهدته الساحة السودانية من جرائم ارتكبتها مليشيا الدعم السريع الإرهابية يمثل خرقًا واضحًا لكل القوانين والمواثيق الدولية والدينية. فقد تجاوزت هذه المليشيا كل الحدود الأخلاقية والإنسانية بعد أن باءت مخططاتها للسيطرة على السلطة بالفشل، مدفوعة بأجندات خارجية ودعم من فئة خائنة في الداخل. ما ارتكبته هذه المليشيا من قتل ونهب وسرقة واغتصاب وإهانة للمسنين والشيوخ الكبار يعكس تجردها من كل القيم الدينية والإنسانية، ويعد تنكيلًا لم يسبق له مثيل في تاريخ السودان.
رغم ادعاء هذه المليشيا أن حربها تهدف إلى تحقيق الديمقراطية، فإن شعاراتها الزائفة سرعان ما تهاوت أمام ما ارتكبته من فظائع. كيف لمن يدّعون السعي إلى “النصر أو الشهادة” أن يرتكبوا المجازر بحق الأبرياء؟ أي شهادة يسعون إليها وهم ينتهكون كل القيم الأخلاقية ويخالفون تعاليم الإسلام التي تحرم العدوان على الأبرياء؟ من الذي زين لهم أن هذه الجرائم قد تُرضي الله ورسوله؟
إن ما فعلته مليشيا الدعم السريع لن يُنسى أو يُغفر بسهولة. الشعب السوداني الذي يعاني من جراح عميقة نتيجة لهذه الجرائم لن يقبل بعودة هذه المليشيا إلى المشهد السياسي أو الأمني في البلاد. الغضب الشعبي لم يعد مقتصرًا على كونه غبنًا عامًا، بل تحول إلى غبن شخصي يمس كل فرد من أفراد المجتمع، حيث لكل فرد منهم قضية وثأر تجاه هذه المليشيا.
ما فعلته مليشيا الدعم السريع تجاه النازحين في مختلف أنحاء السودان، خاصة في شرق الجزيرة، أثار استنكار العالم بأسره. هذه الجرائم لم تؤدِ فقط إلى زيادة السخط الشعبي عليها، بل زادت الغضب تجاه القوى السياسية التي تدعمها، مثل قوى الحرية والتغيير، ومجموعة احزاب تقدم التي ما زالت تزين لهم أفعالهم وتدافع عنهم في المحافل الدولية وعلى شاشات القنوات الفضائية. هذا الدعم، على الرغم من إدراك هذه القوى التام للجرائم التي ارتكبتها المليشيا بحق الشعب السوداني، يكشف عن حجم المصالح المشتركة بين الطرفين. يبدو أن المصالح المادية والدعم الخارجي قد أعمت القلوب وأطفأت ضمائر تلك الأحزاب، فاختارت الدفاع عن الجناة بدلاً من الوقوف مع الضحايا.
ما فعلته مليشيا الدعم السريع من مجازر، ونهب، واغتصاب، وتشريد للآلاف لن يمر دون عقاب. الشعب السوداني، المعروف بتمسكه بالقيم الدينية والاجتماعية، لن يغفر لهذه المليشيا ما اقترفته من آثام. العدالة حتمية، سواء عبر القصاص الشعبي أو عبر المحاكمات العادلة التي ستأتي عاجلاً أم آجلاً.
الشعب السوداني لن ينسى أن هذه المليشيا، التي تجرأت على انتهاك إنسانيته وكرامته، قد فقدت كل شرعية أخلاقية أو قانونية، ولن يقبل بها جزءًا من المنظومة السياسية أو الأمنية. كما أن الغضب الشعبي لن يتوقف عند حدود الداخل، بل سيتسع ليُحمّل المسؤولية لكل من ساند ودعم هذه المليشيا، سواء كانوا أطرافًا محلية أو جهات دولية.
إن ما حدث في شرق الجزيرة وغيرها من المناطق التي شهدت نزوحًا وتشريدًا يكشف بوضوح الوجه الحقيقي لهذه المليشيا، التي لا تمتلك أي مشروع سوى القتل والتدمير. لكن الشعب السوداني، رغم جراحه العميقة، معروف بقدرته على الصمود والتماسك. إرادة السودانيين أكبر من مخططات المليشيات وأقوى من المؤامرات الداخلية والخارجية.
في النهاية، سيأتي اليوم الذي تُحاسب فيه مليشيا الدعم السريع على جرائمها، وسيكتب التاريخ أن الشعب السوداني لم يرضَ بالظلم، وأنه واجه كل من تآمر على بلاده وأبنائه بإرادة لا تُقهر. يومها ستثبت العدالة أنها، وإن تأخرت، لا تغيب.


























