رئيس الوزراء يهاتف ذوي الفقيد ويشيد بمسيرته الإعلامية،، رحيل محمد محمود،، حزن المجتمع وتقدير الدولة..
تقرير: إسماعيل جبريل تيسو

إدريس يشيد بمسيرته المهنية، وعطائه الوافر، وحضوره الذي أكسبه محبة واسعة..
رحيل “حسكا” واحدٌ من أكثر حوادث الفقد التي تأثرت بها البلاد مؤخراً..
حروف مؤثرة لزوجته “سماح”، ورسائلها تحوَّلت إلى وثيقة وجدانية خالدة..
أبو حباب: مبادرة رئيس الوزراء، تعكس نهجاً في تعزيز العلاقة بين الدولة والإعلام..
شيّع جمع غفير من الأسرة والأصدقاء وزملاء المهنة جثمان الإعلامي الراحل محمد محمود “حسكا” في العاصمة المصرية القاهرة يوم الخميس، حيث أُقيمت صلاة الجنازة بمسجد مصطفى محمود وسط مشاهد من الحزن العميق والدعوات الصادقة، قبل أن يُنقل الجثمان إلى مثواه الأخير بمقابر بلبيس، وقد عكست الجموع التي احتشدت لتوديعه حجم المحبة التي اكتسبها الراحل ومسيرته التي تركت أثراً في نفوس السودانيين داخل البلاد وخارجها.
تقدير رسمي:
وفي لفتة حملت تقديراً رسمياً لمسيرة الراحل وما مثّله من قيمة إعلامية وإنسانية رفيعة، قدّم الدكتور كامل إدريس، رئيس الوزراء، تعازيه لأسرة فقيد الإعلام الراحل الأستاذ محمد محمود حسكا، مترحماً على روحه الطاهرة التي فاضت بالقاهرة خلال الأيام الماضية، وتحدث دكتور كامل هاتفياً إلى أفراد الأسرة المشرفين على مراسم تشييع الفقيد أثناء وجودهم في صلاة الجنازة بمسجد مصطفى محمود، وأبلغ رئيس الوزراء كلاً من ربيع علي وأحمد حسن، وعضو مجموعة التشييع الفنان شمت محمد نور، خالص مواساته، وطلب نقلها إلى الأسرة في السوريبة وود مدني وخارج السودان، مشيداً بمسيرة الراحل المهنية التي حفلت بالعطاء والحضور المميز، والمحبة الواسعة التي نالها من الشعب السوداني، وداعياً له بالرحمة ولأسرته بالصبر الجميل.
صدمة وتفاعل مدهش:
وكان رحيل الإعلامي محمد محمود “حسكا”، شكّل واحدةً من أكثر حوادث الفقد تأثيراً في السنوات الأخيرة، بعد العثور عليه ميتاً داخل شقته في القاهرة ليكون ذلك بمثابة فاجعة هزّت وجدان الشارع السوداني في الداخل والخارج، وتدفق حولها سيل من الحزن والدعوات والذكريات من مختلف أنحاء المختلفة، فتحوّلت منصات التواصل الاجتماعي إلى سُرادق ودفتر عزاء مفتوح، امتلأ بآلاف المنشورات التي تسابقت في تناول مآثر الرجل، ومواقفه، وضحكاته، وطيب نفسه، ومواقفه النبيلة في مؤازرة الآخرين ودعمهم، فقد عُرف “حسكا” ببذله للمودة بلا مقابل، وحرصه على السؤال عن أصدقائه وزملائه، وتواضعه الجم رغم نجوميته الكبيرة.
وطني وإنساني:
لقد كان الراحل “حسكا” يحمل قلباً كبيراً يتسع للجميع، يتقاسم مع من حوله الفرح والحزن، ويترك في كل مكان بصمة إنسانية لا تُنسى، كان مقدم برامج ناجح، وقبل ذلك كان إنساناً من طراز نادر، يفتح أبواب قلبه للجميع، ويتعامل بودّ وابتسامة صافية تجعل الآخر يشعر وكأنه صديقه الأقرب، وحين اُضطر إلى مغادرة السودان فارّاً من جحيم الحرب إلى مصر المؤمَّنة، حمل معه إنسانيته كما هي، فكوّن في القاهرة علاقات حميمة مع جيرانه والمحيطين به، الذين نعوه بدموع صادقة، ورووا عنه قصصاً صغيرة لكنها كبيرة المعنى، أخلاقه، كرمه، نكاته الخفيفة، احترامه للناس، ودعاؤه المتواصل بأن يعيش السودان في سلام وأمان لأنه وطن جميل يسع الجميع، فقد كان “حسكا” محباً لوطنه حدّ الوجع، يذود عنه بالكلمة الطيبة والدعوة الصادقة، ويحدث أصدقاءه دائماً عن حلمه بوطن مستقر آمن، يعود إليه الجميع دون خوف، ذلك الحب العميق كان جزءاً أصيلاً من شخصيته، وجزءاً من سبب التفاعل الشعبي العارم مع رحيله.
مسيرة حافلة:
عمل الراحل مقدماً للبرامج في عدد من المحطات والقنوات الفضائية منها النيل الأزرق، الهلال، والشروق، وترك أثراً بارزاً في كل محطة، كان نموذجاً للمذيع القريب من الناس، البسيط في طرحه، العميق في تأثيره، وصاحب بصمة لا تخطئها العين، تميّز باحترافيته العالية، ومهارته في إدارة الحوارات، وبقدرته الفريدة على كسب محبة المشاهدين بفضل تلقائيته وطيبته، حتى أصبح من أكثر الوجوه الإعلامية حضوراً وألفة في الوعي العام، وبجانب الشاشات عرفته المنصات تلقائياً في التقديم، بشوشاً يعشقه المايكرون على الهواء الطلق، مثلما يفرهد عند لقائه مايكروفون الاستديو.
فقد بصوت القلب:
ووسط هذا الحزن الجارف، جاءت كلمات زوجته الأستاذة الصحفية سماح الصادق تبيدي “أم أسمهان” لتضيف بُعداً إنسانياً أعمق للمأساة، فكتبت يوم الرحيل المر على صفحتها بمنصة فيسبوك مدونةً مفعمة بالحنين والصدمة قالت فيها: ” الحبوب اللبن الخاتي الروب، الليلة جاية أشوفك لكن إنت ما حاتشوفني… لكن متأكدة حا تسمعني… عايزة أقول ليك كلام أخير… عايزة أكلمك عن “أسمهان” وعن حالي بعدك”..
لقد كانت كلمات الزوجة المكلومة أشبه بمحاولة الإمساك بخيط من الضوء وسط ظلام الفقد، وصوتاً متهدجاً يفتش عن الرجل الذي كان يسند حياتها..
وحين وُوريَ جثمان الفقيد الثرى، تغيّر صوت الكتابة دون أن يفقد حرارته، فخرجت من المكلومة ” أم أسمهان” كلمات تفيض إيماناً ووجعاً، فكتبت على صفحتها على منصة فيسبوك:
“غبت عني وقد تملَّكني الحزن… سيبقى حبك في قلبي أمل أن ألقاك في الجنة”
إن عيني تدمع وإن قلبي يحزن… وإني لفراقك لمحزونة مكلومة..
رحل زوجي وترك مكاناً لن يملأه أحد… فارحمه يا الله أضعاف السعادة التي ملأ بها حياتنا..
وتواصل “أم أسمهان” دلق حروفها التي تُفطر القلب داعيةً الله سبحانه وتعالى أن يرحم زوجها الراحل ويجمعها به في الجنة..
وفي لحظة تصالح مع حقيقة الدنيا، كتبت
ده منزلنا الأخير كلنا… وكل شيء تاني في الدنيا سراب..
ثم ختمت برسالة اتسعت للمحبين جميعاً
“لو بتحبو محمد محمود ادعوا ليه… واعفوه واعفونا من أي مهاترات. محمد أصبح بين يدي الرحمن الرحيم”..
لقد تحوّلت هذه الرسائل إلى وثيقة وجدانية خالدة، تُعبّر عن حجم الرجل في حياته وبعد رحيله، وتكشف عن عمق العلاقة الإنسانية التي ظلّ يغذيها بكل انتماء وصدق ووفاء.
لفتة بارعة:
“اتصال رئيس الوزراء دكتور كامل إدريس بأسرة الراحل الإعلامي محمد محمود حسكا، يمثل لحظة استثنائية تتجاوز الطابع الإنساني إلى ما هو أعمق”، هكذا ابتدر المستشار الصحفي لرئيس الوزراء الأستاذ محمد عبد القادر” أبو حباب”، إفادته للكرامة، مبيناً أن الخطوة تعكس نهج حكومة الأمل في تعزيز العلاقة بين الدولة والإعلام، وإعادة الاعتبار لدور الصحفيين والإعلاميين كركائز أساسية في مشروع بناء الوطن، وأكد “أبوحباب” أن مهاتفة رئيس الوزراء للأسرة أثناء مراسم التشييع في قاهرة المعز، تحمل تقديراً إنسانياً لمبدع ترك أثراً كبيراً، وتخفيفاً لمصاب الأسرة، وتأكيداً على أن الحكومة تولي اهتماماً خاصاً بدعم الإعلاميين والوقوف إلى جانبهم، مبيناً أن الراحل كان يحتل مكانة مرموقة في الوسط الإعلامي والفني والشعبي، إذ بات رحيله حدثاً وطنياً بما خلّفه من حزن عام وتفاعل واسع.
خاتمة مهمة:
ومهما يكن من أمر.. فإن رحيل الإعلامي محمد محمود “حسكا”، يقف اليوم شاهداً على التقاء الفاجعة الشخصية، والأسى العام، الذي عبّر عنه رئيس الوزراء دكتور كامل إدريس في لحظة إنسانية باتصاله الهاتفي الذي أثلج صدر أسرة مكلومة، قبل أن يُصدِّر الارتياح إلى وجدان شعبٍ واعٍ احتفى بسيرة رجل عاش للناس وبالناس، وإذا كان الموت قد اختطف صوت “حسكا”، فإن سيرته ومحبته وابتسامته ستظل خالدةً في النفوس تحكي عن إنسان نادر، أعطى أكثر مما أخذ، وترك خلفه أثراً لا يزول.















































