الخرطوم تستعد لعودة الوزارات.. بين أمل الإعمار وتحديات الواقع

الخرطوم- النصر نيوز
بدأت الوزارات الحكومية والهيئات الاتحادية في العاصمة الإدارية بورتسودان، تستعد للتوجه إلى الخرطوم بعد غياب دام نحو 3 أعوام، عقب اندلاع الحرب في منتصف أبريل 2023، بين الجيش ومليشيا الدعم السريع، عقب تمرد الأخير.
القرار، الذي أصدره مجلس الوزراء الأسبوع قبل الماضي، وحدد شهر يناير موعدًا لتنفيذه، أثار مخاوف ومحاذير بشأن استعداد العاصمة السودانية لاستقبال موظفي الخدمة المدنية، حيث لا تزال تواجه تحديات في توفير الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه والخدمات الصحية. وفي الوقت نفسه، يحمل القرار تفاؤلًا بشأن عودة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل الحرب.
وشمل التوجيه وزارات: العدل، الزراعة والري، المعادن، الثروة الحيوانية والسمكية، البنى التحتية والنقل، التحول الرقمي والاتصالات، التربية والتعليم، التعليم العالي والبحث العلمي، الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية، الشؤون الدينية والأوقاف، الثقافة والإعلام والآثار والسياحة.
وتأتي عودة الحكومة إلى الخرطوم في ظل تحديات كبيرة، بما في ذلك استمرار العمليات العسكرية في بعض المناطق، وتدهور الوضع الاقتصادي، ونزوح جماعي للسكان.
وشكل رئيس مجلس السيادة القائد العام للجيش عبد الفتاح البرهان، في منتصف حزيران/يوليو الماضي، لجنة برئاسة عضو المجلس إبراهيم جابر، مهمتها تهيئة البيئة لعودة المواطنين والمؤسسات الحكومية إلى الخرطوم.
وتعمل اللجنة على توفير الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء والمياه والمستشفيات، بالإضافة إلى تأهيل الطرقات والمطار لاستقبال الرحلات الداخلية، في خطوة نحو إعادة الحياة إلى العاصمة.
عودة الموارد المعدنية
أعلنت الشركة السودانية للموارد المعدنية المحدودة، الأثنين 8 كانون الأول/ديسمبر الحالي، بدء نقل موظفيها من مدينة بورتسودان إلى العاصمة الخرطوم، حيث غادر 50% من الموظفين المباشرين برئاسة الشركة، على أن تكتمل عملية النقل لكافة الكوادر بنهاية الشهر الجاري، تنفيذًا لتوجيهات مجلس الوزراء ضمن برنامج العودة إلى ولاية الخرطوم.
وقال المدير العام للشركة، محمد طاهر عمر، في منشور عبر صفحة الشركة على فيسبوك، إن إجراءات نقل الرئاسة إلى الخرطوم ستستكمل بنهاية الشهر الجاري.
توفيق الأوضاع
من جهته، قال موظف في بنك السودان المركزي طبقا لـ”لترا سودان” إنه تسلم خطاب العودة لمزاولة نشاطه في العاصمة الخرطوم قبل يومين. وأشار إلى أنه يعمل على توفيق أوضاعه والعودة إلى مواصلة عمله خلال أسبوعين. وأكد أن عددًا من الموظفين استلموا خطابات العودة عقب زيارة محافظ بنك السودان إلى ولاية الخرطوم وإعلانه عن فتح فرع للبنك فيها.
وفي السياق، أفاد مصدر بمجلس الوزراء، بأن عمليات عودة الوزارات إلى الخرطوم تمضي بصورة طيبة، وأن جميع الجهات التي وصلتها خطابات في الأيام الماضية تستعد للعودة إلى المواقع المحددة.
وقال المصدر، الذي فضل حجب اسمه لأنه غير مخول له الحديث إلى وسائل الإعلام، إن هناك لجنة تم تكوينها لإعادة تهيئة مقر مجلس الوزراء في شارع النيل. وأكد أن اللجنة تباشر مهامها من داخل المجلس هذه الأيام، تمهيدًا لعودة المجلس. وأشار إلى أن إدارة المجلس ستكون موجودة في المقر الحالي إلى جانب برج الاتصالات.
تهيئة البيئة للعودة
وبدوره، يرى الخبير الاقتصادي والمحلل السياسي أحمد بن عمر أن عودة الوزارات والمؤسسات الحكومية إلى الخرطوم ليست قرارًا سياسيًا منفصلًا عن الواقع، بل عملية مرتبطة مباشرة بدرجة الجاهزية الأمنية والخدمية والمؤسسية داخل الولاية، فخلال الأشهر الماضية، بدأت ولاية الخرطوم والحكومة الانتقالية تنفيذ خطة “تهيئة العودة” التي أُعلن عنها في مايو 2025، وهي خطة تعتمد على تقييم البنية التحتية، وإعادة تشغيل الخدمات الأساسية، وتحديد المباني الحكومية القابلة للعمل.
وقال ابن عمر على مستوى الخدمات، تشير تقارير وزارة الطاقة منذ آب/أغسطس وأيلول/سبتمبر 2025 إلى أن شبكة الكهرباء تم إعادة تشغيلها جزئيًا في شرق وجنوب الخرطوم، بينما ما تزال عمليات الصيانة مستمرة في الخطوط المتضررة. أما المياه، فقد أوضح المكتب الإعلامي لولاية الخرطوم في تقاريره الشهرية أن المحليات تستقبل أقل من 40% من طاقتها الطبيعية، ما يجعل عودة الموظفين مرتبطة بتحسن الإمداد واستقرار ضخه.
وأشار إلى أنه وبحسب تصريح وزير شؤون مجلس الوزراء في مقابلة بثتها قناة السودان في تشرين الأول/أكتوبر 2025، فإن معظم مباني الوزارات تحتاج إلى ترميمات أساسية قبل أن تكون مناسبة لاستقبال العاملين.
لجنة التهيئة التي شكلها مجلس الوزراء أكدت في تقاريرها الأولية أن الضرر الذي لحق بالبنية المؤسسية واسع، وأن العودة ستبدأ بالمؤسسات ذات الطبيعة السيادية والخدمية الحيوية.
وأوضح أنه على الصعيد الأمني، أشارت الأمم المتحدة في تقرير صادر في تشرين الثاني/نوفمبر 2025 إلى أن الوضع في الخرطوم يشهد انخفاضًا في حدة الاشتباكات مقارنة بعام 2024، إلا أن مناطق عدة ما تزال غير مستقرة بما يكفي لعمل منتظم لموظفي الدولة. الجيش السوداني أعلن كذلك في أيلول/سبتمبر 2025 عن سيطرته على “المربعات الحيوية” في العاصمة، لكنه شدد على أن استئناف العمل المؤسسي مرتبط باكتمال الانتشار الشرطي وإزالة المهددات الأمنية.
وأضاف بناءً على ذلك، يمكن القول إن الخرطوم ليست جاهزة بالكامل لعودة الوزارات، لكنها تعيش مرحلة “التهيئة” التي تسبق العودة الفعلية، الخدمات تعمل بنسب جزئية، المباني تحتاج صيانة، والبيئة الأمنية تتحسن لكنها لم تصل بعد إلى مستوى الاستقرار المطلوب.
لذلك فإن توجه الحكومة، وفق خطاب رئيس الوزراء في نوفمبر 2025، إلى عودة تدريجية تبدأ بوزارات محددة مثل المالية والعدل والجمارك، على أن تكتمل العملية عندما تتوفر شروط التشغيل الخدمي والأمني.
ولفت إلى أن العودة قادمة، لكنها لن تكون شاملة دفعة واحدة؛ بل ستتم تدريجيًا وفق تقدم أعمال الإصلاح والصيانة وعودة الخدمات الأساسية، واستنادًا للتقييمات الأمنية وتقارير ولاية الخرطوم و لجنة تهيئة العودة.
تحديات ومخاطر
في المقابل، يرى الناشط الطيب أحمد أن عودة الوزارات والمؤسسات الحكومية إلى الخرطوم في الوقت الحالي تواجه العديد من التحديات والمخاطر.
وقال على الرغم من الجهود الحكومية لاستعادة الحياة الإدارية في العاصمة، إلا أن هناك مخاوف بشأن الأوضاع الأمنية والخدمية في الخرطوم. وأشار إلى أن من بين التحديات التي تواجه عودة الوزارات والمؤسسات الحكومية إلى الخرطوم مخاوف بشأن الأمن، حيث تشهد بعض المناطق توترات أمنية وانتشارًا للسلاح.
وأوضح أن العديد من المباني الحكومية والمنشآت تعرضت للدمار والخراب خلال الحرب، مما يتطلب إعادة تأهيلها وتجهيزها. ولفت إلى أن الخرطوم تعاني من نقص في الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه والخدمات الصحية.
ورغم التحديات التي تواجه ولاية الخرطوم في ظل استمرار الحرب واشتعالها في مناطق متعددة، تعمل الحكومة السودانية على إعادة تأهيل العاصمة وتوفير الخدمات الأساسية للمواطنين. ومن المرتقب أن تعود الوزارات والمؤسسات الحكومية إلى الخرطوم تدريجيًا في الفترة القادمة.













































