تقارير

فرحة طاغية تعمُّ أرجاء المدينة بفكّ الحصار،، الدلنج،، استعادة الحياة..

تقرير: إسماعيل جبريل تيسو

تدافع عفوي للمواطنين بالتهليل والتكبير والزغاريد استقبالاً للأبطال..

إنهاء فصول المعاناة وانعدام الغذاء والخدمات الطبية..

مركزو: الالتحام انتصار للإرادة الوطنية، وتجسيداً لعزيمة الرجال وفداء الأبطال..

 

كان يوم أمس الاثنين 26 يناير، يوماً فارقاً في تأريخ مدينة الدلنج العاصمة الثقافية لولاية جنوب كردفان، وذلك بدخول القوات المسلحة السودانية والقوة المشتركة والقوات المساندة لها إلى المدينة، والتحامها بقوات اللواء (54) مشاة الدلنج بقيادة العميد الركن الزاكي كوكو خالد، في خطوة وُصفت بأنها من أكبر التحولات الميدانية في مسرح العمليات بجنوب كردفان، وعمّت المدينة مظاهر فرح غير مسبوقة، وخرجت عن بكرة أبيها لاستقبال القوات بالتهليل والتكبير، وبكاء الرجال الذي امتزج بزغاريد النساء وهتافات الأطفال، في مشهد جسّد عمق الارتباط بين الجيش والشعب، وأعلن عملياً كسر حصارٍ طويل أنهك المدينة وأهلها لأكثر من عامين.

الحصار والصمود:

وعانت مدينة الدلنج حصاراً قاسياً امتد لأكثر من عامين، تعرضت خلاله لهجمات متكررة بالقصف المدفعي (بالدانات) والطائرات المسيّرة، حيث تحوَّلت المدينة منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023م إلى هدف دائم للهجمات المنظمة، وفي مفارقة نادرة، واجهت الدلنج في بدايات الحرب هجوماً انفرادياً من قوات الجيش الشعبي التابع للحركة الشعبية – جناح الحلو، كما تصدَّت المدينة في وقت لاحق لهجوم منفصل من ميليشيا الدعم السريع، ثم شهدت الدلنج فيما بعد موقفاً وطنياً لافتاً حين تعاونت مجموعة من الحركة الشعبية من أبناء مدينة الدلنج نفسها مع الجيش السوداني، ونجح هذا التعاون في صدِّ هجومٍ لميليشيا الدعم السريع على تخوم الدلنج، ومع إعلان تحالف (الحلو – دقلو) ضمن ما يُعرف بتحالف “تأسيس”، واجهت الدلنج هجوماً مزدوجاً جمع القوتين معاً، إلا أن جميع هذه المحاولات فشلت فشلاً ذريعاً، وعادت القوات المهاجمة تجر أذيال الهزيمة والخسارة، بعدما تكبدت خسائر فادحة في الأرواح والعتاد، في معارك وُصفت بأنها من أعنف ما شهدته مدن السودان، حيث لقّن المدافعون عن الدلنج العدو درساً لم يجده في أي مدينة أخرى.

الأهمية الاستراتيجية للدلنج:

وتكتسب مدينة الدلنج أهمية استراتيجية وسياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية بالغة، إذ تقع عند نقطة تماس مباشرة مع مناطق سيطرة قوات الحركة الشعبية بقيادة عبد العزيز الحلو، كما ظلت مُحاصَرة لأكثر من عامين بين كماشة مزدوجة: ميليشيا الدعم السريع شمالاً في منطقة الدبيبات، وقوات الحركة الشعبية جنوباً عند حجر الجواد،

وتُعد الدلنج شريان تواصل حيوي يربط ولايات جنوب وشمال وغرب كردفان، ومركزاً مهماً للتجارة والزراعة بفضل مشاريع هبيلا الزراعية، إلى جانب أسواق الماشية النشطة وعلى رأسها سوق الحاجز، كما تحتل الدلنج مكانة علمية وثقافية بارزة باحتضانها جامعة الدلنج، فضلاً عن تنوعها الاجتماعي الذي يعكس فسيفساء السودان في أبهى تجلياته.

صبرت وظفرت:

ويقول الكاتب الصحفي عبد الوهاب أزرق إن الدلنج صبرت على معاناة حقيقية تمثلت في نقص وانعدام الدواء، وشح الغذاء، وفقدان الخدمات الأساسية من صحة وكهرباء ومياه وتعليم، وتقييد حرية التنقل والحركة، وأكد أزرق في إفادته للكرامة من مدينة الدلنج أن المدينة صبرت على سوء التغذية وسط الأطفال، وعلى تفشي وباء الكوليرا والملاريا والتايفويد، وأمراض الضغط والسكري، حيث فقدت المدينة أطفالاً وكبار سن، مبيناً أن مدينة الدلنج صبرت على التدوين العشوائي والقصف بالمسيرات، وسقوط الشهداء، وصبرت على الشائعات والطابور الخامس والمرجفون في المدينة مما أرّق مضجع المواطنين

وتابع: “تحملت المدينة إغلاق الطرق وحرمانها من دخول البضائع، وندرة السلع وغلاء الأسعار وجشع بعض التجار، حتى بلغت ملوة الذرة (60) ألف جنيه، وكيلو السكر (40) ألف جنيه، وملوة الفول السوداني (40) ألفاً، وملوة اللوبيا (80) ألف جنيه”، مؤكداً أن الدلنج رغم كل هذه المعاناة صبرت على الابتلاء والامتحان الرباني، وتحمّضلت وأخيراً ظفرت، وانتصرَت.

نهاية تحالف الحلو – دقلو:

ويرى الفريق محمد مركزو كوكو، الوالي الأسبق لولاية جنوب كردفان، رئيس لجنة الأمن والدفاع الأسبق بالبرلمان السوداني، والمنسق العام لمتحرك درع الجبال، أن التحام القوات المسلحة والقوة المشتركة مع قوات اللواء (54) مشاة الدلنج يمثل انتصاراً كبيراً للإرادة الوطنية، وتجسيداً لعزيمة الرجال وفداء الأبطال، وقال مركزو في إفادته للكرامة إن هذا الالتحام يعني التشوين، ويعني رفع الحصار عن كاهل المواطنين الصامدين الصابرين، ويعني التعافي الكامل للقوات المسلحة، وامتلاكها زمام المبادرة، وقدرتها على التحرك وإعادة الانتشار، والانفتاح في مختلف محاور وجبهات القتال، والتحول من خانة الدفاع إلى الهجوم، وأشار مركزو إلى أن هذه الخطوة ستنعكس إيجاباً على الانفتاح جنوباً نحو مدينة كادقلي، ورفع الحصار عن حاضرة ولاية جنوب كردفان، مؤكداً أن هذا الالتحام يمثل صدمة كبيرة ولطمة قوية في وجه تحالف (الحلو – دقلو)، وإيذاناً بانتهاء تحالف تأسيس وحكومته الإسفيرية.

خاتمة مهمة:

ومهما يكن من أمر.. فإن دخول القوات المسلحة إلى مدينة الدلنج والتحامها بقوات اللواء (54) مشاة، يمثل نقطة تحول استراتيجية في مسار العمليات العسكرية بجنوب كردفان، ليس فقط من حيث كسر حصار طويل الأمد، بل من حيث إعادة رسم موازين القوة وفرض واقع ميداني جديد، ذلك أن الحدث يؤكد أن صمود المدن، حين يقترن بإرادة شعبية وقوات مسلحة متماسكة، قادر على إفشال أعقد التحالفات العسكرية، كما يفتح هذا التطور الباب أمام مرحلة جديدة عنوانها فك الحصارات، وتأمين خطوط الإمداد، والانطلاق نحو استعادة بقية مدن الإقليم، وفي مقدمتها مدينة كادقلي التي تتنفس الآن الصعداء، فالدلنج التي صبرت كثيراً، لم تنتصر بالسلاح وحده، بل بصبر أهلها، ووحدة نسيجها الاجتماعي، وإيمانها بأن النصر يولد دائماً من رحم المعاناة.

النصر نيوز

المدير العام ورئيس التحرير:     ام النصر محمد حسب الرسول

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى