أظهر فيها السودان موقفاً استراتيجياً متزناً،، حرب الشرق الأوسط.. مواقف وتحدّيات..
تقرير: إسماعيل جبريل تيسو

البرهان يؤكّد على التضامن وإدانة الاعتداء على دول الخليج..
كامل إدريس يدعو إلى التهدئة واحترام القانون الدولي..
السفير نادر: محورية السودان تمكنه من طرح مبادرة تحفظ أمن المنطقة..
في خضم التصعيد العسكري المتسارع بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، حدّد السودان موقفه الرسمي بوضوح، عبر تصريح رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس لقناة قناة الجزيرة، مؤكداً أن موقف الخرطوم يتمثل في الدعوة إلى التهدئة، واحترام القانون الدولي، ومعالجة الخلافات بين الدول عبر الوسائل السلمية والحوار الدبلوماسي، ويعكس الموقف توجهاً سودانياً حذراً، يوازن بين إدانة التصعيد العسكري وبين تجنب الانخراط في محاور إقليمية متصارعة، مع التأكيد على أن الحلول العسكرية لا يمكن أن تكون بديلاً عن الدبلوماسية، وأن استمرار الحرب ينذر بتداعيات خطيرة على أمن واستقرار المنطقة بأسرها.
أبعاد استراتيجية:
وبحسب خبراء استراتيجيين فإن تصريح الدكتور كامل إدريس، يحمل بين طيّاته أبعاداً استراتيجية متعدّدة، أهمها التموضع المتوازن حيث يقدم السودان نفسه كدولة مسؤولة، لا تنحاز إلى خطاب الحرب، وتدعو إلى التمسك بالقانون الدولي، والحرص على إعادة الاعتبار لمنظومة الشرعية الدولية، في وقت تتآكل فيه قواعد الاشتباك التقليدية في الإقليم، كما يبعث تصريح رئيس الوزراء تطمينات إلى الرأي العام بأن السودان لن يكون ساحة لصراعات الآخرين، وأن الخرطوم ورغم انشغالاتها الداخلية،
ما تزال فاعلةً سياسياً في محيطها العربي والإسلامي.
تهدئة:
وفي هذا السياق، فإن دعوة السودان إلى التهدئة في الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران لا ينبغي أن تُقرأ بوصفها انعكاساً مباشراً لما يجري داخل السودان، أو إسقاطاً عليه، فالقتال الذي تشهده البلاد منذ منتصف أبريل 2023م، يمثل عدواناً خارجياً يستهدف كيانها ووحدتها، وتتصدى له القوات المسلحة السودانية مسنودة بمختلف التشكيلات العسكرية، والمستنفرين، والمقاومة الشعبية، وقطاعات واسعة من المجتمع التي أعلنت التفافها حول مؤسساتها الوطنية، ومن هذا المنطلق، ترى الخرطوم أن موقفها الداعي إلى التهدئة على الصعيد الإقليمي لا يتعارض مع تمسّكها بحقها المشروع في الدفاع عن سيادتها وأمنها القومي، ورفضها لمحاولات التدخل والهيمنة من محاور إقليمية ودولية تسعى إلى تفتيت الدولة السودانية والاستئثار بمواردها وثرواتها، وتغيير تركيبتها السكانية، وبالتالي فإن التمييز بين الدعوة إلى السلام في نزاع دولي واسع، وبين خوض معركة داخلية تُصنَّف رسمياً ضمن إطار الدفاع عن الدولة، يمثل جزءاً من الخطاب السياسي الذي تثبته الخرطوم في هذه المرحلة الدقيقة والحساسة.
إدانة الاعتداء على الخليج:
وكان السودان قد أدان الاعتداء الإيراني السافر وغير المشروع على كل من دولة قطر ومملكة البحرين ودولة الكويت والمملكة الأردنية الهاشمية، وسلطنة عمان، وأكدت وزارة الخارجية السودانية وقوفها التام مع سيادة هذه الدول الشقيقة وسلامة أراضيها، مجددة الدعوة إلى الامتثال لمبادئ القانون الدولي والعودة إلى طاولة المفاوضات، وعكس بيان وزارة الخارجية السودانية بحسب مراقبين، اصطفافاً سيادياً مع أمن الدول العربية الشقيقة، مع الحفاظ في الوقت ذاته على خطاب يدعو إلى خفض التصعيد، وهو توازن دقيق بين التضامن العربي والدعوة إلى الحلول السلمية.
اتصالات هاتفية:
وأجرى رئيس مجلس السيادة، القائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان سلسلة اتصالات هاتفية شملت كلاً من ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، وملك الأردن عبد الله الثاني، وملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة، وأمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، وولي العهد الكويتي الشيخ صباح الخالد الحمد الصباح، حيث أكد البرهان خلال هذه الاتصالات تضامن السودان حكومةً وشعباً مع هذه الدول وشعوبها في مواجهة العدوان الذي يستهدف أمنها واستقرارها، مشدداً على حقها المشروع في الدفاع عن أمنها وسيادتها، وتعكس هذه التحركات الهاتفية دبلوماسية نشطة في لحظة حرجة، وتؤكد في الوقت نفسه حرص الخرطوم على توثيق التنسيق السياسي مع العواصم الخليجية والعربية في مواجهة أي تهديدات إقليمية.
تحذير سيادي:
وفي تطور لاحق استعرض مجلس الأمن والدفاع السوداني في اجتماعه الدوري بالخرطوم برئاسة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، مآلات الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، وما نتج عنها من اعتداءات على دول الخليج العربي، وحث المجلس المجتمع الدولي، وعلى رأسه مجلس الأمن الدولي، على الاضطلاع بدوره في حفظ السلم والأمن الدوليين، وانتهاج الحوار وسيلةً لوقف الحرب ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة شاملة، الامر الذي يؤكد أن السودان واعٍ بأن اتساع رقعة الصراع سيحمل تداعيات مباشرة على البحر الأحمر والممرات الاستراتيجية، بما يمس المصالح السودانية الحيوية.
بُعد تأريخي ودبلوماسي:
واستحضر السفير نادر فتح العليم، الخبير في العلاقات الدولية وفضِّ النزاعات، البعد التاريخي والدبلوماسي للدور السوداني، مشيراً إلى أن السودان دولة محورية في الشرق الأوسط، وأن بإمكانه رغم ظروفه الاستثنائية أن يبدي استعداداً لطرح مبادرة تحفظ السلم والأمن في المنطقة، وأكد فتح العليم في إفادته للكرامة أن انشغال السودان بمعركة الحفاظ على الدولة لا يمنعه من الاهتمام بقضايا شعوب المنطقة والحرص على السلام الإقليمي والدولي، مستدعياً إرث قمة الخرطوم في العام 1967م، والتي عُرفت بقمة اللاءات الثلاثة، لا صُلح، لا اعترافن لا تفاوض مع العدو الصهيوني، حيث جسدت الخرطوم في حينها التمسك بالثوابت العربية، وتعيد إفادة السفير نادر فتح العليم طرح سؤال الدور: هل يكتفي السودان بموقع المراقب المتضامن، أم يسعى لاستعادة موقع الوسيط المؤثر كما كان في محطات تاريخية سابقة؟
خاتمة مهمة:
ومهما يكن من أمر،، يمكن قراءة الموقف السوداني عبر ثلاثة مستويات متداخلة، مستوى مبدئي يدعو إلى التهدئة واحترام القانون الدولي، مستوى تضامني يقف مع الدول العربية التي تعرّضت لاعتداءات، ومستوى استراتيجي يحذر من اتساع رقعة الحرب والسعي لتفعيل دور المجتمع الدولي، ومن هنا فإن السودان ورغم تحدياته الداخلية يثبت أن أزمته الوطنية لا تعزله عن محيطه الإقليمي، بل تدفعه للتمسك أكثر بخيار الدولة المسؤولة باختيار خطاب الاتزان، لا إلى الحرب، نعم للسيادة، ونعم للحوار، وهو موقف، إذا أُحسن استثماره دبلوماسياً، قد يعيد للسودان شيئاً من حضوره التاريخي في معادلات الشرق الأوسط.















































