تقارير

تراجعت من الخرطوم ووسط السودان، إلى جيوب في دارفور وكردفان،، الميليشيا،، انهيار المشروع عسكرياً وسياسياً في العام 2025م..

تقرير: إسماعيل جبريل تيسو.

الجيش أدار الحرب وفق الموارد المتاحة والمتوقعة، والتزم بالتوازن والاقتصاد في القوى..

التحام الجيوش قلب الموازين، وأعاد رسم خارطة جديدة للحرب..

تفككت الميليشيا سياسياً منذ اندلاع تمردها في الخامس عشر من أبريل 2023م، شهدت ميليشيا الدعم السريع تراجعاً متسارعاً على المستويين العسكري والسياسي، بعد أن كانت تسيطر في بواكير الحرب على ما يقارب 95% من ولاية الخرطوم، ومع مرور أكثر من عامين على اندلاع المواجهات، انحسرت سيطرة الميليشيا ميدانياً، وتراجعت إلى بعض مناطق كردفان ودارفور، بالتوازي مع تفكك جبهتها السياسية، وانسلاخ عدد كبير من مستشاريها، وانقلابها على كبير مستشاري قائدها يوسف عزت الماهري، الذي يواجه مصيراً غامضاً منذ أكثر من شهر.

انقلاب وسيطرة مبكرة:
وتشير معطيات الحرب إلى أن ميليشيا الدعم السريع لم تدخل الخرطوم مع اندلاع التمرد، بل كانت موجودة بالفعل داخل العاصمة، بحكم دورها السابق كقوة أمنية مساندة، فقد تولت قبل الحرب حراسة عدد من المرافق الحيوية والاستراتيجية، من بينها القصر الجمهوري، محيط القيادة العامة، الإذاعة والتلفزيون، مصفاة الجيلي، المدينة الرياضية، وأراضي المعسكرات، إضافة إلى انتشارها في مراكز تدريب ومستجدين بأم درمان وشارع جبل أولياء وقرِّي، ومع اندلاع التمرد، تحولت هذه المواقع إلى نقاط سيطرة فعلية للميليشيا، التي وضعت يدها على معظم مفاصل ولاية الخرطوم، وفرضت واقعاً عسكرياً مكّنها في الأسابيع الأولى من السيطرة على نحو 95% من العاصمة، غير أن هذا التمدد لم يصمد طويلاً أمام الاستراتيجية التي انتهجتها القوات المسلحة، والتي اعتمدت على إدارة الحرب وفق مراحل محسوبة، تقوم على الموارد المتاحة والمتوقعة، مع الالتزام بمبدئي التوازن والاقتصاد في القوى، ووفق هذه المنهجية، تمكنت القوات المسلحة من استنزاف القوة الصلبة للميليشيا، وتفكيك تشكيلاتها، وضرب مراكز ثقلها، ما أدى إلى تراجع قبضتها على الخرطوم بصورة تدريجية ومنظمة.

استراتيجية التحام الجيوش:
وشكلت استراتيجية “التحام الجيوش” نقطة تحول مفصلية في مسار العمليات العسكرية، إذ أسهمت في فك الحصار، وتأمين (التشوين)، وتعزيز القوات بالعتاد والمعدات والرجال، وبدأت أولى هذه الالتحامات في فبراير 2024م، عندما التحمت قوات منطقة وادي سيدنا العسكرية بالقوات المرابطة في سلاح المهندسين، بعد حصار دام قرابة عشرة أشهر، ثم جاء الالتحام الثاني في 26 سبتمبر 2024م، بعبور القوات من أم درمان إلى الخرطوم والخرطوم بحري، ما فتح مسرح العمليات على نحو أوسع، وفي يناير 2025م تحقق الالتحام الثالث بين قوات بحري وأم درمان والقوات المرابطة في القيادة العامة، أعقبه الالتحام الرابع لقوات سلاح المدرعات مع القيادة العامة، لتبدأ بعدها عمليات التطهير الواسعة داخل الخرطوم، والتي اكتملت في مايو 2025م بإخراج ميليشيا الدعم السريع من العاصمة بالكامل، وعقب ذلك، انتقلت القوات المسلحة والقوات المساندة لها إلى تنفيذ حملات (نظافة) وسط البلاد، ما دفع الميليشيا إلى التراجع والانحصار في جيوب محدودة بكردفان ودارفور، بعد أن فقدت زمام المبادرة في قلب الدولة.

تفكك سياسي:
بالتوازي مع التراجع العسكري، واجهت ميليشيا الدعم السريع انهياراً سياسياً متدرجاً، تمثل في انسلاخ عدد كبير من مستشاريها السياسيين، الذين وصل بعضهم إلى مدينة بورتسودان، وعقدوا مؤتمرات ولقاءات صحفية كشفوا فيها ما وصفوه بالطابع العنصري لمشروع الميليشيا، وغياب أي رؤية وطنية جامعة، ويعد خروج يوسف عزت الماهري، كبير مستشاري قائد الدعم السريع، أبرز هذه الانشقاقات، حيث غادر منصته الاستشارية على خلفية خلافات حادة مع القائد الثاني للميليشيا عبد الرحيم دقلو، وتشير المعلومات إلى أن عزت دفع ثمن هذه الخلافات باعتقاله داخل الأراضي التشادية منذ أكثر من شهر، في ظروف غامضة ما يزال مصيره على إثرها مجهولاً، وفي محاولة لاحتواء هذا التدهور، سعت الميليشيا إلى بناء جسم سياسي موازٍ لبنائها العسكري، عبر التوقيع على “ميثاق السودان التأسيسي” (تحالف تأسيس) بالعاصم الكينية نيروبي في فبراير 2025م، تمهيداً لإعلان حكومة موازية، غير أن الخطوة قوبلت برفض دولي وإقليمي واسع، وانتهت إلى فشل ذريع أفقد الميليشيا أي غطاء سياسي محتمل.

سقوط عسكري وسياسي:
ويرى الخبير العسكري الفريق شرطة دكتور جلال تاور، أن ما حدث في 15 أبريل لم يكن دخولاً مفاجئاً للميليشيا إلى الخرطوم، بل تمرداً لقوة كانت موجودة أصلاً داخل العاصمة تحت لافتة أمنية رسمية، وقال الفريق تاور في إفادته للكرامة إن انتشار الميليشيا في المواقع الحساسة قبل الحرب لم يُقابل بريبة كافية، الأمر الذي مكّنها من محاولة فرض الأمر الواقع بالقوة، قبل أن تصطدم بصمود القوات المسلحة وقدرتها على استعادة السيطرة على المواقع الحيوية، ثم إخراجها من الخرطوم، ومعسكرات جهاز الأمن، وولاية الجزيرة، وصولاً إلى أطراف دارفور.

وأشار إلى أن الدعم الخارجي، بما في ذلك ما أُثير حول “جسر جوي”، ساعد الميليشيا مرحلياً على السيطرة على بعض المدن، إلا أنها فشلت في الصمود الاستراتيجي على المدى الطويل..
وفي الشق السياسي، شدد الفريق جلال تاور على أن ميليشيا الدعم السريع لم تكن في الأصل قوة سياسية، بل قوة أمنية مساندة، وأن وجودها في المشهد السياسي اقتصر على منصب نائب في المجلس السيادي دون تفويض شعبي أو مشروع سياسي، واعتبر أن محاولات تشكيل حكومة تأسيس لا تعدو كونها مزايدات سياسية بلا اعتراف أو شرعية داخلية أو إقليمية.

خاتمة مهمة:
على كلٍّ.. فإن مسيرة الحرب منذ أبريل 2023م، تكشف أن ميليشيا الدعم السريع انتقلت من موقع السيطرة الواسعة داخل العاصمة إلى حالة انحسار ميداني وعزلة سياسية خانقة، فبعد أن راهنت على الحسم السريع وفرض الأمر الواقع، وجدت نفسها أمام استراتيجية عسكرية طويلة النفس، أفضت إلى تفكيك قوتها الصلبة، وإسقاط مشروعها السياسي، وتجريدها من أي غطاء داخلي أو خارجي ذي وزن، وبينما تتواصل عمليات تأمين وسط البلاد، تبدو الميليشيا اليوم محصورة في الأطراف، فاقدة للمبادرة، ومثقلة بتناقضاتها الداخلية، في مشهد يعكس كلفة التمرد على الدولة، وعاقبة السلاح حين ينفصل عن الشرعية الوطنية.

النصر نيوز

المدير العام ورئيس التحرير:     ام النصر محمد حسب الرسول

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى