
تعارف السودانيون على تسمية حكم الخديوية بالتركية السابقة، وحكم الانجليز بالتركية اللاحقة .
البواخر النيلية هي سفن نهرية صغيرة الحجم ، وسميت بواخر لأنها تسير بطاقة البخار الناتج من تسخين قوازين الماء بحطب الحريق .
وكانت تعرف بالوابورات ومفردها وابور ، وفي العامية السودانية بابور ، ومن ذلك وصف الأنصار للامير/ محمد ابوقرجة بقولهم : اب قرجة بابور انقليز مابدور هرجه، في إشارة إلى متانته وحزمه.
بلغ عدد البواخر في الفترة الممتدة من حكم اسماعيل باشا إلى غردون باشا نحو 13 باخرة ، اهمها البوردين وتل حوين والمنصورة والصافية والتوفيقية .
حملت بعض هذه البواخر من مصر أسلحة وذخائر وتشوينات (تموينات) غذائية للجند واغاثة للمواطنين كسبا لودهم ، ذلك بالتزامن مع زحف جيش محمد علي باشا من مصر لفتح السودان ( الدولة السنارية ) عام 1819 بالتقريب .
ثم استخدمتها حكومات الخديوي المتعاقبة في نقل كبار الزوار والسواح والمسافرين والبضائع والبوستة التي تحمل البريد والصحف والمجلات والكتب بين البلدين ، مثلما تحمل البوستة تقارير المخابرات غير العاجلة .
بعض هذه البواخر رئاسية مزودة بمدافع وترابط قبالة قصر الحكمدارية ( القصر الجمهوري ) ويستخدمها الحكمدار في زياراته التفقدية للمدن المطلة على النيل الأبيض والأزرق والرئيس ، ولاغراض الترويح عن النفس .
وهي مزودة بالات صوتية(بوري) تؤذن بالمغادرة والقدوم والتحية وبكاشفات ضوئية لاغراض التحرك الليلي ، وتستخدم كاشفاتها في إضاءة القصر اثناء المناسبات الرسمية وزيارات كبار الضيوف ، وليالي الأعياد الدينية التي تمخر فيها الوابورات عباب النيل جيئة وذهابا وتنتظم في تشكيلات عسكرية رائعة ، مثلما انها تصدر أضواء ملونة تبهر العين وتخلب العقل وتنسي الوقار ، وتشرح الصدر وتسعد قلب المعنى ، دنياي انت وفرحتي ومنى الفؤاد اذا تمنى .
وعلى ضوئها ترقص طربا حسان الزنج والحبش على ايقاع طبال وشدو شاد .
ومع اشتعال الثورة المهدية وتزايد عدد مناصريها استخدمت البواخر في أغراض استخبارية منها استطلاع قوات المهدي والتواصل مع الجواسيس ونقل التقارير الاستخبارية واستقراء الرأي العام واعتقال وخطف بعض القادة والنشطاء ونقلهم إلى الخرطوم لاغراض الاستجواب والتحقيق وربما القتل، كذلك شن هجمات مباغتة على تجمعات الأنصار القريبة من النيل ومصادرة ما بحوزتها من سلاح ومواد غذائية وحطب الوقود .
بينما وجه غردون بعض السفن لنقل اكبر كمية من العيوش (الذرة ) والزيت وحطب الوقود تحسبا لحصار الخرطوم ، ذلك إثر ورود تقارير امنية تفيد بعزم المهدي فرض حصار مطبق عليها .
مثلما استخدمت في نقل القناصل الأجانب والجاليات إلى مصر قبيل اشتداد الحصار على الخرطوم .
كذلك كلف باخرتين باستطلاع اخبار حملة الإنقاذ التي نظمتها بريطانيا لاجلاء غردون وكبار مساعديه من الخرطوم ، لكن ضراوة المناوشات في المتمة وشندي وبربر منعت الباخرتين من العودة إلى الخرطوم .
كتشنر استقدم معه 9 بواخر حربية لمهاجمة قوات خليفة المهدي في ام درمان ، وقد شاركت بقذف الجلل من مدافعها فهدمت راس قبة الامام المهدي وقتلت نحو 200 من الأطفال والنساء احتموا بفناء القبة طلبا للنجاة والسلامة ، بينما قتل وجرح العشرات من نساء واطفال حي الموردة الامدرماني الذي استهدفته مدفعية البواخر ،ومدفعين انزل أحدهما في جزيرة توتي والاخر في المقرن ، والى عهد قريب كانت تلك الجلل منتشرة في مساكن الموردة، وتزن الواحدة منها اكثر من كيلو جرام .
د. طارق محمد عمر .
الخرطوم في يوم الجمعة 14 فبراير 2025 .

























