أحمد عزالدين نوري يكتب: جيوبوليتيك الانكسار وفجر الأقطاب (ولادة النظام الإقليمي الجديد)

بسم الله الرحمن الرحيم
يقف العالم اليوم في منتصف مارس 2026 أمام مشهد استراتيجي شديد التعقيد يعيد تعريف مفهوم القوة والردع في مواجهة التحالف الأمريكي الإسرائيلي الذي لطالما حاول فرض هيمنته المطلقة على مقدرات المنطقة وقرارها السيادي إن الصدمة الحقيقية التي تتردد أصداؤها في أروقة السياسة الدولية ليست مجرد رد فعل عسكري عابر بل هي إعلان عن انهيار منظومة الحماية الغربية وفشل التكنولوجيا العسكرية الصهيونية في تأمين جبهتها الداخلية أمام ضربات قوى الردع الإقليمية التي استطاعت كسر هيبة القوة العظمى وتعرية عجزها عن حماية حلفائها أو حتى حماية مصالحها الحيوية المنتهكة على امتداد الجغرافيا السياسية المتفجرة عسكرياً نحن نشهد تحولاً جذرياً في عقيدة القتال حيث انتقلت زمام المبادرة من أيدي الطيران الأمريكي والترسانة الإسرائيلية إلى أيدي القوى التي تتقن حروب الاستنزاف الذكية واستخدام المسيرات والصواريخ الدقيقة لفرض معادلة جديدة مما جعل واشنطن وتل أبيب في مأزق استراتيجي وجودي لم يسبق له مثيل فالسلاح الذي كان يُستخدم للترهيب أصبح اليوم هدفاً سهلاً والحدود التي كانت تُعتبر خطوطاً حمراء داسها الواقع الجديد والقوى الصاعدة وإن هذا الانكسار الميداني يضع مستقبل الوجود العسكري الأمريكي في القواعد المنتشرة بالمنطقة في مهب الريح فلم تعد تلك القواعد صمامات أمان بل تحولت بفعل التطورات التقنية إلى أهداف ثابتة ضمن خريطة نار واسعة النطاق مما جعل عصر الحصانة الجغرافية ينتهي للأبد وهذا ما يدفع صانع القرار في واشنطن اليوم نحو استراتيجية التموضع المرن أو الانسحاب التدريجي لتجنب سيناريوهات استنزاف لا يمكن تبريرها سياسياً يدرك الجميع الآن أن زمن الإملاءات الأمريكية قد ولى وأن المحاولات الإسرائيلية للتوسع لم تعد سوى رقصة أخيرة على حافة الهاوية لأن المنطقة تتجه نحو تشكل نظام إقليمي جديد لا مكان فيه للتبعية المطلقة أو القبول بالغطرسة الاستعمارية حيث بدأت الدول المستضيفة تشعر بأن هذه القواعد قد تجذب لها الحروب بدلاً من أن تدفعها عنها ولذا فإن التوقعات تشير إلى تقليص تدريجي للوجود الدائم مقابل تفاهمات أمنية جديدة تعتمد على الإرادة المحلية لا الوصاية الخارجية ، وفي ظل هذا الفراغ الاستراتيجي الذي يخلفه التراجع الأمريكي تبرز القوى الصاعدة وعلى رأسها الصين وروسيا كلاعبين يعيدون رسم التوازنات فبكين التي تدخل اليوم بخطى حذرة ووساطات ديبلوماسية ذكية تسعى لتأمين طرق الحرير ومنابع الطاقة بعيداً عن صخب البوارج بينما تستثمر موسكو في تناقضات السياسة الأمريكية لتعزيز حضورها الأمني وبناء تحالفات عابرة للأيديولوجيات تجعل من المنطقة ساحة للتعددية القطبية الفعلية إن صراع القوة على الأرض يتجه نحو حسم تاريخي يعيد صياغة موازين القوى العالمية حيث يبرز بوضوح أن القوة الصلبة لم تعد كافية لحماية الأجندات المعادية وأن الدبلوماسية التي يطالب بها البعض الآن ليست إلا محاولة أخيرة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من هيبة أمريكا المتآكلة وصورة إسرائيل المهزوزة التي باتت تواجه بيئة إقليمية لم تعد ترهبها القوة التقليدية ، العالم أمام فجر جديد للمنطقة يُكتب بعقول المخططين الذين أدركوا أن الطريق الوحيد للأمن والاستقرار يبدأ من كسر قيود الهيمنة الخارجية وفرض السيادة الوطنية فوق كل اعتبار في مشهد لا يعترف إلا بالأقوياء الذين يملكون النفس الطويل والقدرة على تغيير قواعد اللعبة في اللحظات الحاسمة وهذه إرادة الله في الأرض ولله الامر من قبل ومن بعد .

























