ام النصر محمد تكتب: التعليم العالي في السودان… إرادة لا تنكسر وبوصلة المستقبل التي لا تحيد
عمود: رُمح النصر

في خضمّ حربٍ شرسةٍ لم تترك مؤسسةً إلا وأصابتها، ولم تُبقِ على بنيةٍ إلا ونالت منها، وقف التعليم العالي في السودان شامخاً، متحدياً الركام والظروف الاستثنائية، ليُثبت أن المعرفة لا تُهزم، وأن إرادة البناء أقوى من أدوات الهدم. لقد شكّلت هذه المرحلة اختباراً حقيقياً لقدرة مؤسسات التعليم العالي على الصمود وإعادة ترتيب أوراقها في زمنٍ وجيز، وسط واقعٍ معقّدٍ تتداخل فيه التحديات الأمنية والاقتصادية والإنسانية. ومع ذلك، لم تنكسر هذه المؤسسات، بل أعادت تعريف دورها الوطني، وتحولت من ضحيةٍ للحرب إلى عنوانٍ للصمود ومحرّكٍ للأمل.
لم يكن ما حدث مجرد عودةٍ تقليديةٍ للعمل الأكاديمي، بل كان تحوّلاً استراتيجياً فرضته الضرورة، حيث سارعت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي إلى تبنّي حلولٍ مبتكرة، وفي مقدمتها التعليم الإلكتروني، الذي فتح أبوابه للطلاب في مختلف أنحاء البلاد، متجاوزاً قيود الجغرافيا ومخاطر التنقل. لقد شكّل هذا التحول نقطة ارتكازٍ مهمة حافظت على استمرارية العملية التعليمية، وأبقت شعلة العلم متقدة رغم العواصف.
وفي موازاة ذلك، انطلقت جهود إعادة تأهيل الجامعات المتضررة، في سباقٍ مع الزمن لإعادة الحياة إلى القاعات الدراسية والمختبرات. ورغم حجم الدمار الذي طال البنى التحتية، لم تتوقف الإرادة، بل تعاظمت، مدفوعةً بإحساسٍ عميق بالمسؤولية الوطنية. وكان لمديري الجامعات وأساتذتها دورٌ محوري في هذا المشهد، إذ تحوّلوا إلى قادة ميدانيين، لا يكتفون بإدارة الأزمة، بل يصنعون من رحمها فرصاً للنهوض والتجديد.
أما الطلاب، فقد كانوا العنوان الأبرز لهذه المرحلة؛ إذ جسّدوا نموذجاً فريداً في التحدي والصبر، متمسكين بحقهم في التعليم رغم قسوة الظروف. لقد أثبتوا أن الأجيال التي تُبنى في أوقات المحن، تكون أكثر صلابةً وقدرةً على صناعة المستقبل. هؤلاء هم وقود الأمة الحقيقي، وأملها الذي لا يخبو.
إن ما قامت به مؤسسات التعليم العالي لا يمكن فصله عن سياقها الوطني، فهي لم تؤدِّ دوراً تعليمياً فحسب، بل ساهمت في تثبيت الاستقرار المجتمعي، وحماية عقول الشباب من الضياع، والحفاظ على استمرارية الدولة في أحد أهم أعمدتها: المعرفة.
إن تجربة التعليم العالي في السودان خلال هذه الحرب تمثل درساً عميقاً في الصمود المؤسسي، وإرادة النهوض رغم الجراح. فقد أثبتت هذه المؤسسات أن البناء لا يتوقف، وأن الأوطان تُصان بعقول أبنائها كما تُحمى بسواعدهم. وبين ركام الدمار، تظل الجامعات مناراتٍ لا تنطفئ، تُضيء الطريق نحو الغد، وتُعيد تشكيل ملامح المستقبل بإرادةٍ لا تعرف الانكسار. إن التعليم العالي اليوم لا يستعيد عافيته فحسب، بل يؤسس لمرحلةٍ أكثر قوةً ووعياً، يكون فيها العلم سلاحاً، والإرادة طريقاً، والوطن غايةً لا حياد عنها.

























