د. طارق محمد عمر يكتب: ترتيبات انقلاب 25 مايو 1969

بعد نجاح انقلاب ثورة 23 يوليو المصرية 1952الذي دبرته المخابرات المركزية الأمريكية للاطاحة بالملك فاروق اخر حكام الخديوية التي جاءت بها فرنسا سنة 1805, و لاختراق الكتلة الشيوعية الاشتراكية والاحزاب الشيوعية في العالم ولبطش قادة تنظيم الاخوان المسلمون ، ارسلت أميركا ضابط مخابراتها كالكسيس شايتي إلى السودان في العام 1952 في وظيفة ضابط اتصال تحت غطاء دبلوماسي لاختراق الساحة السودانية وجمع المعلومات بما في ذلك المعلومات التي يرفده بها الفرع المخصوص في إطار تبادل المعلومات بين جهازي البلدين، واغلبها تعلق بنشاط الجبهة المعادية للاستعمار ” التنظيم الشيوعي ‘ .
نشط الملحق العسكري المصري/ علي خشبة في استقطاب وتجنيد ضباط من الجيش لتكوين تنظيم سري للضباط الاحرار ، منهم جعفر نميري وخالد حسن عباس وابوالقاسم محمد ابراهيم وزين العابدين محمد احمد عبد القادر وابوالقاسم هاشم وآخرين .
كان لابد من احتواء محمد احمد محجوب رجل السياسة البارز القانوني الضليع الخطيب المفوه المناضل الجسور الوطني الغيور الأديب الشاعر المثقف ، وهو من رموز الوطنية وقادة حزب الامة ، وثيق الصلة برئيس الوزراء عبد الله خليل والمجتمع الدولي .
وكانت المخابرات المصرية تدرك ان عبد الله خليل من أصول مصرية فدفعت له ب ” صول مصري من قرابته ‘ يتبع لمباحث أمن الدولة ( الأمن الداخلي المصري ) ليكون سكرتيره الخاص ومبعوث خطاباته السرية لرؤساء الدول ، ثم افلحت المخابرات الأمريكية في تعيين منصور خالد سكرتيرا لعبد الله خليل ، كل ذلك تحت سمع ونظر المحجوب دون ابصار او شك وهكذا هم اغلب ساستنا .
كان لتحنيد الاستخبارات المصرية النقيب ابو القاسم محمد ابراهيم وابوالقاسم هاشم من قرابة المحجوب والمقربين له أدى لتعاطفه معهم .
الطبيب الدكتور عبد الحليم محمد وهو ابن خالة المحجوب وصديقه ، كان صديقا لعبد الخالق محجوب ، وربما كان من الكوادر الشيوعية السرية التي كلفت باختراق تنظيم الضباط الاحرار فتماهى معهم مثله مثل صديقه بابكر كرار والرشيد الطاهر بكر ، وكان لذلك تأثيره على المحجوب .
زواج المصري محمد محجوب من شقيقة أبوالقاسم هاشم ثم تعيينه ضابطا بالجيش السوداني بادارة التوجيه المعنوي ثم لاحقا سكرتيرا للرئيس نميري وكاتبا لخطاباته ، اثر كذلك على المحجوب .
لذلك لم يكن سعي محمد احمد محجوب رئيس وزراء السودان للصلح بين جمال عبد الناصر والملك السعودي فيصل بن عبد العزيز وآخرين بمستغرب ، ذلك في الخرطوم عام 1967 فيما عرف بمؤتمر اللآت الثلاث لا اعتراف ولاتفاوض ولاصلح مع اسرائيل .
سعي الشاب الصادق المهدي لإمامة الأنصار وزعامة حزب الامة بعد وفاة والده الصديق سنة 1961لم تكن لترضي المحجوب ، وزاد امتعاضه حين طلب منه الصادق التنازل له عن رئاسة مجلس الوزراء، لذلك عزم المحجوب علي تأييد ودعم انقلاب الضباط الاحرار رغم إيمانه بالديموقراطية والتبادل السلمي للسلطة .
وكان الرئيس المصري جمال عبد الناصر قد طلب من المحامي السوداني كمال رمضان والعقيد طيار سعيد كسباوي والرائد فاروق حمد الله اطلاع محمد احمد محجوب على فكرة الانقلاب على ان يتولى منصب نائب رئيس مجلس قيادة الثورة رئيس الوزراء او امينا عاما لجامعة الدول العربية ، الا انه ايد مشروع الانقلاب واعتذر عن قبول جميع المناصب بحجة انه كره السياسة .
لذلك اقنع نائب رئيس الاركان حمد التيل ضيف الله بالسماح لمجموعة عسكرية بإجراء تدريب في خور عمر رغم رفضه بحجة ان الطقس غير مناسب ، ثم توجيهه لقادة الوحدات العسكرية بالسفر إلى موسكو لشراء اسلحة جديدة ، فتركوا فراغا استغله الانقلابيون المايويون .
في إطار بذر الفتنة باكرا بين النميري وعبد الخالق محجوب اقنع العميل الأمريكي (ع ) عضو اللجنة المركزية للحزب عبد الخالق بأن الضباط الاحرار لايمثلون الخط الثوري الشيوعي وأنهم برجوازية صغيرة ، فتردد عبد الخالق فيما اتفق عليه من مشاركة في الانقلاب، فذهب اليه في المنزل د. عبد الحليم محمد وبابكر كرار ( كادر شيوعي تم الحاقه باول خلية للاخوان المسلمون في السودان ثم تحول للاسلام الاشتراكي فالقومية العربية ) لكن مشاركته في اقناع عبد الخالق بالانخراط في الانقلاب قرينة على التزامه بالخط الشيوعي .
اطلاع عبد الخالق محجوب لبدر الدين مدثر مسؤول حزب البعث بأمر الانقلاب تعضد ماذهبت اليه في مقال سابق بأن لاتعارض بين الشيوعي والبعث الا في الشكل ، ذلك ان فرنسا هي من اسس الشيوعي والبعث ودعمتهما فكرا وتنظيما ومالا ومعلومات وهيكلة ، كما ان البعث السورى درب قادته واهلهم داخل التنظيم الشيوعي السوري سنة 1947 .
د. طارق محمد عمر .
رئيس لجنة الشؤون الأمنية بتجمع الاكاديميين والباحثين والخبراء السودانيين .
الخرطوم في يوم الثلاثاء 23 ديسمبر 2025 .
















