د.طارق محمد عمر يكتب: انقلاب الختمية 1966 .

في لحظة يأس من نظام الحكم الديموقراطي و التداول السلمي للسلطة و ما بدر من الطالب الشيوعي ( شوقي ) من اساءة لبيت النبي محمد و ما اعقبه من احداث عنف ، ثم احداث الاحد المشؤوم التي ارتكبها بعض ابناء الجنوب في الخرطوم يوليو 1965 ، وجه زعيم طائفة الختمية / علي الميرغني ، ابنه احمد بالاتصال بضباط الجيش المنتمين لأسر ختمية للاستيلاء على السلطة عسكريا ذلك في العام 1966 .
كان وقتها الزعيم علي الميرغني يعاني من متاعب صحية تتعلق بالكلى و قد تقرر له إجراء عملية جراحية .
بادر احمد الميرغني و عمره في ذلك الوفت 25 سنة و قد اكمل دراسته في جامعة لندن البريطانية ، بادر بالاتصال بالاميرالاي المتقاعد / عبد الرحيم شنان ، و هو عضو في تنظيم الضباط الاحرار قومي عربي ، وقد تزعم انقلابا عسكريا ضد نظام الفريق / ابراهيم عبود سنة 1962 و معه عدد من الضباط منهم محي الدين احمد عبد الله و يعقوب كبيدة و جعفر محمد نميري . حكم على شنان بالاعدام و خفف إلى السجن و اطلق سراحه بعد ثورة اكتوبر 1964 ، و حكم على بقية المشاركين بالسجن و قد تمت تبرئة النميري لاحقا و أطلق سراحه .
أورد الرائد م / زين العابدين محمد احمد عبد القادر في مذكراته ( مايو سنوات الخصب و الجفاف ) : انه في بداية العام 1966 حضر إلى مكتبه صف ضابط برتبة رقيب يدعى / محمد ابراهيم ، ملقب ب طلقة و قد لعب دورا اساسيا فيما بعد عند قيام ثورة مايو ، فلديه قدرة على التفكير و التحليل و القيادة و الشجاعة مما عزز ثقتي فيه ، فقال لي : ان الاميرالاي المتقاعد / عبد الرحيم شنان يرغب في مقابلتك لأمر مهم و انا و قتها برتبة نقيب ،فقلت له : ان شاء الله خير ؟ .. و وافقت على مقابلته .
استعرت سيارة الأخ / النعمان حسن أحمد و ذهبت الى مكان موعدي بالقرب من المصرف الصناعي الحالي ، رافقني الشاويش ( الرقيب ) محمد ابراهيم طلقه .
ركب معنا شنان واتجهنا ناحية المنطقة الصناعية الخرطوم ، فشرع شنان في الحديث عن ضرورة القيام بإنقلاب عسكري لمصلحة حزب الشعب الديموقراطي ( حزب على الميرغني ) ، و اضاف : ان احمد علي الميرغني يرغب في مقابلتي باعتباره راعي الحركة و ان التمويل و فرته دولة الكويت .
و برغم ثقتي في الرقيب طلقه الا انني تحفظت في التعليق و قلت له : أمنحني فرصة للتفكير في الأمر و الرد عليك ، و بعد ثلاثة أيام التقينا ثانية نحن الثلاثة و بنفس الأسلوب و في ذات المكان و بذات السيارة .
اما المقابلة الثالثة التي تخللها اجتماع مع احمد الميرغني بجنينة علي الميرغني ، فقد جدنا الانوار خافتة و لم نجد اي من مسؤولي الجنينة و نحن نترجل من السيارة و ندخل الصالون ، و منه إلى غرفة كانت مضاءة بشمعة رغم و جود الكهرباء ، دلف إلينا احمد الميرغني و بعد التحية و المجاملات قال لي الآتي : نحن نثق فيك فأنت منا و تعرف الحالة التي آلت اليها البلاد ، و لا شك ان مصلحتها تهمك و نحن ك ” ختمية ‘ راينا ان نلملم عناصرنا التي يمكن الاعتماد عليها في احداث تغيير شامل في السودان ، و قد تحدث عنك محمد ابراهيم حديثا ممتازا و هو بمثابة أخيك و شقيقك و اسهب في و صف قدراتك في التأثير على الصف و الجنود و امكاناتك ، لهذا قررنا ان نبدأ بالتشاور معك .
كنت استمع بحذر لأن شنان و احمد الميرغني لم يطرحا خطة واضحة او مشروع معد او توجه او برنامج سياسي متكامل او مبادئ محددة هم بصددها .
انتهت الجلسة التي كان يبدو فيها أن احمد الميرغني متحرق لانهائها حتى لايطرأ ما يثير الشبهات حوله .
خرجنا من الجنينة و بعد أن أنزلنا شنان في منزله قلت للجاويش محمد ابراهيم : انت تعرف علاقتي باليوزباشي ( النقيب ) أبوالقاسم محمد ابراهيم فلا بد من مفاتحته ليشاركنا التفكير فيما هو مطروح علينا ، فرحب بالفكرة .
بعد يومين وصل أبوالقاسم من الجنوب و طرحت عليه الأمر و قررنا مقابلة عبد الرحيم شنان ، و بالفعل التقينا سويا و طرح له شنان ما طرح علي و اقترح مقابلة احمد الميرغني ، و كان اجتماعنا معه نسخة من سابقه .
عندما خرجنا من الاجتماع قال لي أبو القاسم : الجماعة ديل بهظروا ؟ اي (ييمزحوا ؟) ، و كان انطباعه انهم غير جادين و ما يفكرون فيه مجرد اضغاث احلام و لم يزد ، و بعدها عاد الى مسارج العمليات في الجنوب .
استمر شنان في صلته بي فأنا احترمه و اقدر كفاءته رغم هوسه بالسلطة و اعتقاده انه افضل من يحكم السودان وأكثر الناس تأهيلا لقيادته .
و في إحدى لقاءاتنا قال لي : انه عرض عليه منصب و زير دفاع في حكومة ائتلافية تحت التشكيل و اضاف : ان ذلك يوفر لنا %70 من المشوار ، الا انه أخطأ خطأ بليغا حين قال : توجد مغريات مادية و أراضي و مشاريع ، و كان يظن ان ذلك سيعجل بموافقتنا على المشاركة في الانقلاب و لم يدر انه اوصد بنفسه باب علاقتنا به .
أوقفت اتصالاتي به و اصبحت ارد على مكالماته ببرود لاشعره بأنني فقدت الرغبة في المضي قدما بمشروع الانقلاب .
توثقت علاقتي باحمد الميرغني و زارني في منزل و الدي بامدرمان و صرنا نلتقي في حديقة مقرن النيلين ، و في إحدى زياراته لي احضر معه رجل كويتي يدعى / سليمان المنقوري ، و فتح موضوع الانقلاب العسكري و قال لي : اذا احتجتم تمويل للقيام بالحركة فهذا هو الشخص الذي سيوفره لكم .
الغريب ان احمد الميرغني اقسم على اليمين في محاكمتي سنة 1986 انه لايعرفني و لم تربطه بي صلة في يوم من الأيام ! .
في ديسمبر 1966 وقعت محاولة انقلابية عسكرية من مجموعة احمد الميرغني أجهضتها الاستخبارات عند الشروع في التنفيذ ، و اعتقل احمد الميرغني و بقية المشاركين و قدموا إلى المحاكمة التي لم يعلن عن تفاصيل حكمها .
لاغراض التحليل الأمني أوضح التالي :
الحزبان الكبيران الأمة و الإتحادي الاصل ( الشعب سابقا ) هما من شرعا باب الانقلابات العسكرية في السودان و ثالثهما الشيوعي .
سليمان المنقوري ارجح انه من ضباط مخابرات الكويت و صار مديرا للجهاز ، و ربما يكون قد تعرف على أحمد الميرغني او زامله في الدراسة بجامعة لندن البريطانية ، و برغم لا استبعد صلة المخابرات البريطانية بمحاولة الانقلاب الفاشلة .
عدم نجاح اانقلاب الميرغني يعود للتالي :
مراقبة عبد الرحيم شنان من قبل الاستخبارات العسكرية و الاجهزة الامنية كونه صاحب سابقة انقلابية سنة 1962 .
و لمحدودية ثقافة احمد الميرغني بمبادئ العلوم الأمنية و من ذلك السرية في التحركات و التواصل مع الانقلابيين عبر و سيط .
و الراجح ان المجموعة الانقلابية قد اخترقت من قبل الاستخبارات او الأمن العام .
عدم اعلان محاكمة احمد الميرغني و الانقلابيين شئ غير مستغرب فأبناء علي الميرغني و عبد الرحمن المهدي فوق الدستور و القانون فضلا عن التدخلات الخارجية خاصة من مصر و الكويت و بريطانيا و اميركا .
يذكر ان احمد الميرغني شغل منصب سفير السودان لدى مصر ثم وزيرا للخارجية من العام 1979 إلى 1984 .
ثم رئيسا لمجلس السيادة من 6 مايو 1986 إلى 30 يونيو 1989 .
عضو رئاسة ملتقى أهل السودان لحل مشكلة دارفور 2008 .
متزوج من سيدة مصرية .
توفي يوم 2 نوفمبر 2008 في مدينة الإسكندرية المصرية .
د . طارق محمد عمر .
رئيس لجنة الشؤون الأمنية بتجمع الاكاديميين و الباحثين و الخبراء السودانيين .
الخرطوم في يوم الثلاثاء 11 نوفمبر 2025 .

























