أحمد عزالدين نوري يكتب: مخاض النار وولادة النظام الصخري

بسم الله الرحمن الرحيم
العالم اليوم على حافة انكسار تاريخي يتجاوز مفهوم الأزمات العابرة، ليدخل في طور الزلزال الجيوسياسي الذي سيعيد تعريف مفهوم النظام الدولي من جذوره، حيث ننتقل بوضوح من مرحلة إدارة الصراعات الموقوتة إلى مرحلة الحسم الصخري الذي لا يقبل الحلول الوسط ، وفي هذا المشهد المتفجر، تتبنى واشنطن وتل أبيب استراتيجية تقويضية تهدف إلى تفكيك محور المقاومة كلياً وإخراجه من معادلات التأثير الإقليمي ، وهي مقامرة كبرى تضع المنطقة أمام خيار واحد هو المواجهة الشاملة وفي المقابل، تبرز روسيا والصين كقوى موازنة تتحرك بحذر شديد فوق رقعة الشطرنج، حيث تكتفيان بتقديم الدعم الاستخباراتي واللوجستي والاقتصادي الذي يضمن إطالة أمد النزاع واستنزاف المقدرات الغربية دون الانزلاق المباشر نحو حرب عالمية مدمرة، مما يحول الساحة الإقليمية إلى ثقب أسود يمتص الهيمنة الأطلسية ببطء ، وعسكرياً، نجد أنفسنا أمام طفرة تكنولوجية مرعبة تقودها حروب المسيرات والسايبر، حيث لم يعد التفوق يقاس بحجم الجيوش التقليدية بل بالقدرة على شل الخصم رقمياً واصطياد أهدافه عن بُعد بأقل التكاليف ، وهو ما يمنح الأطراف غير المتكافئة قدرة غير مسبوقة على الردع. أما سياسياً، فإن الانقسام العالمي قد ترسخ بالفعل بين قطب نيوليبرالي غربي يصارع للبقاء، وبين تحالف أوراسي شرقي صاعد يطرح واقعية سياسية بديلة، مما يؤكد أن العالم لا يتجه نحو الهدوء أو الاستقرار القريب، بل يهرول نحو نظام أمني جديد يولد من رحم النيران والدمار، نظام لا يعترف بالدبلوماسية التقليدية أو المواثيق الدولية الهشة، بل يقدس القوة العارية كاللغة الوحيدة المفهومة والمؤثرة في رسم خرائط المستقبل، لتصبح الجغرافيا السياسية القادمة هي ثمرة من يصمد أطول في وجه العاصفة ومن يمتلك الإرادة لفرض واقعه على الأرض .


























