تحقيق يكشف كيف حولت الإمارات السودان مركزاً لاقتصاد حرب عابر للحدود

متابعات- النصر نيوز
حولت الإمارات السودان مركزاً لاقتصاد حرب عابر للحدود، تتفاعل فيه الأسلحة والذهب وشركات الأمن الخاصة والشركات التجارية والدول المجاورة عبر الحدود وذلك بعد مرور أكثر من ثلاث سنوات على اندلاع الصراع الداخلي بين القوات المسلحة السودانية وميليشيا قوات الدعم السريع المدعومة إماراتيا.
ولدى العديد من الحكومات الأجنبية مصالح في نتائج الحرب، كما يمتلك طرفا الصراع السودانيان شبكات خارجية. لكن الأدلة المتراكمة حول الإمارات وميليشيا الدعم السريع واسعة النطاق بشكل غير عادي.
إذ تمتد من الأسلحة التي عُثر عليها في ساحات القتال السودانية إلى الشركات العاملة انطلاقاً من الإمارات، ومن شبكات تجارة الذهب في دبي إلى شركات عسكرية كولومبية قالت منظمة هيومن رايتس ووتش إنها مرت عبر منشآت عسكرية إماراتية قبل أن تقاتل إلى جانب قوات الدعم السريع.
وتثير هذه النتائج، مجتمعة، سؤالاً يتجاوز مجرد ما إذا كانت أبوظبي تفضل موقفاً سياسياً معيناً في السودان: هل أصبحت الحرب جزءاً من نظام أوسع يتمحور حول الإمارات، حيث يعزز النفوذ العسكري والشبكات التجارية والوصول الاستراتيجي بعضها بعضاً؟
ويتمثل أول ما يميز دور الإمارات عن دور جيران السودان المباشرين في الموقع الجغرافي. فمصر وتشاد وإثيوبيا وإريتريا وجنوب السودان تعاني بشكل مباشر من تبعات انهيار الدولة السودانية، بما في ذلك اللاجئون والجماعات المسلحة وانعدام الأمن على الحدود والتهريب واحتمالية امتداد القتال إلى أراضيها.
أما السعودية فلا تشترك مع السودان في حدود برية، بل تواجهه عبر البحر الأحمر، فيما لا تملك أبوظبي حدوداً مماثلة مع السودان. ولذلك، يُفهم دوافعها بصورة أفضل من خلال الشبكات التي بنتها خارج حدودها، بما يشمل الوصول التجاري والنفوذ البحري والذهب والشراكات الأمنية والعلاقات مع جهات مسلحة قادرة على التأثير في النتائج السياسية.
ولا يثبت ذلك بحد ذاته أن الربح هو الدافع وراء سياسة الإمارات، لكنه يغير السؤال التحليلي، إذ لا يتعلق الأمر فقط بما يهدده عدم الاستقرار في السودان داخل الإمارات، بل بما يمكن أن يوفره النفوذ داخل السودان لأبوظبي.
وأصبح من الصعب بشكل متزايد تجاهل الأدلة العسكرية باعتبارها مجرد أدلة ظرفية. ففي مايو/أيار 2025، وثقت منظمة العفو الدولية قنابل موجهة صينية من طراز “GB50A” ومدافع هاوتزر “نورينكو AH-4” عيار 155 ملم مرتبطة بعمليات قوات الدعم السريع.
وخلصت المنظمة إلى أن هذه الأسلحة أعادت الإمارات تصديرها “على الأرجح”. وكان اكتشاف مدافع “AH-4” ذا أهمية خاصة، إذ قالت المنظمة، استناداً إلى تحليل بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، إن الإمارات كانت المستورد الوحيد المعروف لهذا النظام المدفعي الصيني.
كما حددت منظمة العفو الدولية شظايا من قنبلة موجهة من طراز “GB50A” صنعت عام 2024، عقب غارة لقوات الدعم السريع في شمال دارفور. وقالت إن هذه النتائج عززت مجموعة متنامية من الأدلة على الدعم العسكري الإماراتي لقوات الدعم السريع، وخلصت في تقييمها إلى أنها تثبت انتهاك حظر الأسلحة المفروض على دارفور.
ولا تقف هذه الأدلة وحدها، فقد رصدت الولايات المتحدة مراراً هياكل تجارية ومشتريات تابعة لقوات الدعم السريع تعمل انطلاقاً من الأراضي الإماراتية.
وفي يونيو/حزيران 2023، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على شركة “تراديف للتجارة العامة”، وهي شركة مقرها الإمارات، وصفتها بأنها واجهة مشتريات تسيطر عليها قوات الدعم السريع، واشترت مركبات للتنظيم شبه العسكري، بعضها قابل للتحويل للاستخدام العسكري.
وفي يناير/كانون الثاني 2025، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على شركة “كابيتال تاب القابضة” الإماراتية، مشيرة إلى أنها قدمت أموالاً وأسلحة لقوات الدعم السريع.
كما حددت شركتي “الزمرود” و”الياقوت للذهب والمجوهرات”، وهي شركة ذهب مقرها الإمارات، وقالت إن الأخيرة اشترت ذهباً سودانياً، يُفترض أنه لصالح قوات الدعم السريع، قبل نقله إلى دبي.
ووُصفت شركة إماراتية أخرى، هي “الجيل القديم للتجارة العامة”، بأنها ذات صلات طويلة الأمد بقوات الدعم السريع، ولها روابط بمؤسسة مالية تسيطر عليها القوات.
وتكتسب هذه المعطيات أهمية خاصة لأن بنية الحرب بالوكالة الحديثة لا تشبه بالضرورة وزارة حكومية ترسل علناً صناديق مخصصة لميليشيا حليفة. إذ يمكن أن يتم التأثير من خلال شركات تجارية ووسطاء ماليين وشركات لوجستية ومتعهدي أمن ووكلاء مشتريات وجهات فاعلة تُصنف ظاهرياً كجهات خاصة.
وبالتالي، لا يقتصر السؤال على ما إذا كانت وزارة الدفاع الإماراتية سلمت سلاحاً بصورة مباشرة إلى قائد في قوات الدعم السريع، بل يتمثل السؤال الأهم في ما إذا كان نظام بيئي يعمل انطلاقاً من الأراضي الإماراتية قد وفر بصورة متكررة الأموال والمعدات والأفراد والوصول التجاري الذي عزز قدرة قوات الدعم السريع على مواصلة الحرب.
ويعمق مسار المقاتلين الكولومبيين هذا السؤال بصورة كبيرة. فقد أفادت منظمة هيومن رايتس ووتش في مايو/أيار 2026 بأن شركة أمنية مقرها أبوظبي، تُدعى “مجموعة الخدمات الأمنية العالمية”، استعانت على ما يبدو بمتعاقدين عسكريين كولومبيين خاصين، نُشروا لاحقاً في السودان للقتال إلى جانب قوات الدعم السريع.
واستندت المنظمة في نتائجها إلى مقابلات مع متعاقدين كولومبيين وسكان مدينة الفاشر ومصادر مطلعة، إضافة إلى وثائق الشركة وصور الأقمار الصناعية وصور ومقاطع فيديو محددة الموقع الجغرافي.
وبحسب التحقيق، نُشر مئات المتعاقدين الكولومبيين، وأُرسل ما لا يقل عن 300 منهم بحلول سبتمبر/أيلول 2025، وشارك بعضهم في عمليات داخل الفاشر ومحيطها.
ويتعلق الجزء الأهم من تحقيق هيومن رايتس ووتش بما حدث قبل وصول هؤلاء الرجال إلى السودان. فقد مر المتعاقدون عبر منشأتين عسكريتين إماراتيتين على الأقل، وفق الأدلة التي حللتها المنظمة، هما قاعدة عسكرية في غياثي ومنشأة عسكرية أخرى في الوثبة بأبوظبي.
وأفاد أحد المتعاقدين للمنظمة بأن مواطنين إماراتيين دربوه في إحدى المنشأتين. كما وثقت هيومن رايتس ووتش روابط مؤسسية وشخصية بين مجموعة الخدمات الأمنية العالمية وسلطات إماراتية رفيعة، وخلصت إلى أن عدة فئات من الأدلة تشير إلى أن الانتشار الكولومبي يبدو عملية مدعومة من الدولة الإماراتية.
وشددت المنظمة على أن تقديم مثل هذا الدعم العسكري، رغم الانتهاكات الموثقة على نطاق واسع لقوات الدعم السريع، قد يثير، بحسب الوقائع والمتطلبات القانونية، تساؤلات حول التواطؤ أو المساهمة بصورة كبيرة في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
وفرضت الولايات المتحدة في أبريل/نيسان 2026 عقوبات منفصلة على شبكة تجنيد لنشر أفراد عسكريين كولومبيين سابقين في السودان للقتال في صفوف قوات الدعم السريع، ووصفت هذا المسار بأنه يساهم في استمرار الحرب.
وفي يونيو/حزيران، استهدفت عقوبات أمريكية أخرى شبكات التوريد والتجنيد التي تخدم طرفي النزاع، مؤكدة أن الشبكات التجارية سمحت للأطراف المتحاربة بتوسيع نطاق القتال وشدته.
وتتجاوز هذه المعطيات اللغة التقليدية لمصطلح “النفوذ” الدبلوماسي، إذ تُتهم شركة في أبوظبي بتجنيد أفراد عسكريين أجانب، ويمر متعاقدون عبر منشآت عسكرية داخل الإمارات، بينما تظهر أسلحة ذات علاقة قابلة للتتبع بالإمارات مع قوات الدعم السريع، وتظهر كيانات تجارية مقرها الإمارات في قوائم العقوبات الأمريكية المرتبطة بمشتريات وتمويل قوات الدعم السريع، فيما يتجه الذهب المرتبط بالسودان وشبكات قوات الدعم السريع نحو دبي.
وتشكل هذه أدلة منفصلة قدمتها مؤسسات مختلفة، لكنها تتقاطع جميعاً عند المنطقة الجغرافية نفسها، وهي الإمارات.
ويبرز البعد الاقتصادي بدوره، فالسودان ليس مجرد ساحة حرب، بل اقتصاد قائم على الموارد، ويشكل الذهب أحد أهم مصادر العملات الأجنبية فيه. ولطالما امتلكت قوات الدعم السريع وعائلة دقلو مصالح في قطاع الذهب السوداني.
وقالت وزارة الخزانة الأمريكية إن تعدين الذهب وتصديره أصبحا مصدراً حيوياً للدخل لعائلة دقلو وقوات الدعم السريع بعد سيطرتهما على منجم جبل عامر للذهب. كما فرضت الوزارة عقوبات على شركة الجنيد، وهي تكتل شركات تسيطر عليه عائلة دقلو ويعمل في قطاعات متعددة، من بينها الذهب، بسبب البنية التحتية المالية التي تدعمها.
وعلى الطرف الآخر من هذه الجغرافيا التجارية تقع دبي، إحدى أكبر مراكز تجارة الذهب في العالم.
وأظهرت بيانات البنك المركزي السوداني التي نشرتها رويترز أن ما يقرب من 90% من صادرات الذهب السوداني القانونية في النصف الأول من عام 2025 توجهت إلى الإمارات، محققة عائدات تقدر بنحو 840 مليون دولار.
وعندما انقطعت الروابط التجارية بين ميناء بورتسودان والإمارات في وقت لاحق من ذلك العام، فقدت العملة السودانية ما يقرب من خمسي قيمتها. وأفاد تجار لرويترز بأن حتى الذهب الذي يعاد توجيهه عبر دول أخرى يمكن أن يجد طريقه في نهاية المطاف إلى السوق الإماراتية.
كما ظل الاقتصاد الخاضع لسيطرة الجيش يعتمد بصورة كبيرة على الإمارات باعتبارها وجهة للذهب السوداني.
ويشكل ذلك إحدى المفارقات الرئيسية في حرب السودان، إذ تتهم السلطات السودانية الموالية للجيش أبوظبي بدعم عدوها في ساحة المعركة، بينما ظل الاقتصاد الخاضع لسيطرة السلطات نفسها يعتمد بدرجة كبيرة على سوق الذهب الإماراتية.
ولهذا السبب، يتطلب الادعاء بأن الإمارات متورطة “لتحقيق الربح” قدراً من الدقة. فهناك أدلة قوية على أن الأراضي والأسواق الإماراتية تحتل مواقع مهمة في اقتصاد الحرب السوداني، كما توجد أدلة على أن وزارة الخزانة الأمريكية ربطت شركات مقرها الإمارات بتمويل قوات الدعم السريع وعمليات الشراء والذهب السوداني.
لكن هذه الحقائق لا تثبت وحدها أن القيادة الإماراتية بدأت الحرب أو أطالتها لمجرد جني المال. فقد تتداخل عوامل مثل النفوذ الاستراتيجي والعداء تجاه حركات سياسية معينة والموقع الاستراتيجي على البحر الأحمر والأمن الغذائي والمصالح التجارية والتنافس على النظام السياسي في القرن الأفريقي.
ويضيف البعد الاستراتيجي وضوحاً إلى الصورة، فالسودان يمتلك امتداداً واسعاً من ساحل البحر الأحمر مقابل السعودية وبالقرب من ممرات بحرية تربط الخليج والقرن الأفريقي وقناة السويس وطرق التجارة العالمية.
وبالنسبة لسياسة إماراتية استثمرت مراراً في الموانئ والخدمات اللوجستية والعلاقات الأمنية حول البحر الأحمر والقرن الأفريقي، لا يمكن النظر إلى السودان من منظور الخرطوم وحدها. فساحله وإمكاناته الزراعية وموارده المعدنية وروابطه مع تشاد وليبيا وإثيوبيا وإريتريا وداخل أفريقيا الوسطى تمنحه قيمة تتجاوز حدوده.
وقد ينتج السودان المجزأ بيئة سياسية مختلفة عن دولة سودانية موحدة قادرة على إدارة مواردها وموانئها وتحالفاتها الخارجية بصورة مستقلة. ولا يثبت ذلك أن أبوظبي تسعى عمداً إلى تفتيت السودان، إذ لا توجد أدلة كافية لتأكيد ذلك.
لكن النتائج المادية للحرب واضحة، إذ تضعف المؤسسات الوطنية بينما تكتسب الجماعات المسلحة والوسطاء التجاريون وشركات الأمن الأجنبية وشبكات التجارة العابرة للحدود أهمية متزايدة. وهذه هي البيئة التي تكتسب فيها الدول التي تمتلك المال والبنية التحتية اللوجستية والشبكات التجارية العابرة للحدود نفوذاً غير متناسب.
وتبقى التكلفة البشرية لهذا النظام السياسي والاقتصادي كارثية. وتشير تقديرات هيومن رايتس ووتش إلى أن ما لا يقل عن 150 ألف شخص لقوا حتفهم على الأرجح نتيجة الصراع، وأن نحو 12.9 مليون شخص نزحوا من ديارهم، فيما عانى نصف سكان السودان من جوع حاد.
وفي مدينة الفاشر، سبق حصار قوات الدعم السريع الذي دام 18 شهراً سيطرتها على المدينة عام 2025 وارتكابها فظائع بحق المدنيين. وفرضت وزارة الخزانة الأمريكية لاحقاً عقوبات على قادة في قوات الدعم السريع بسبب عمليات قتل عرقي وتعذيب وتجويع وعنف جنسي خلال الحملة.
واتُّهم طرفا الصراع الرئيسيان في السودان بارتكاب انتهاكات جسيمة، كما طور كلاهما شبكات اقتصادية وخارجية تدعم قدرتهما على القتال. ولذلك، فإن أي تحقيق يحول السودان إلى قصة طرف مسلح بريء من جهة وطرف أجنبي واحد شرير من جهة أخرى سيشوه حقيقة الحرب.
وتملك القوات المسلحة السودانية إمبراطوريتها التجارية وعلاقاتها الخارجية، كما فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على شركات تابعة لكل من القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، بسبب توليدها إيرادات أو مساهمتها في النزاع.
لكن الاعتراف بهذه الصورة الأوسع لا يلغي مسألة الإمارات، بل يجعلها أكثر وضوحاً.
ونفت الإمارات مراراً وتكراراً تزويد قوات الدعم السريع، ووصفت أبوظبي الاتهامات الموجهة إليها بأنها ذات دوافع سياسية، وأكدت تقديمها مساعدات إنسانية ودعمها للجهود الدبلوماسية الرامية إلى إنهاء الحرب.
وتتزامن هذه النفيّات مع سجل متزايد من الأدلة قدمته مؤسسات عدة، بينها منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش ووزارة الخزانة الأمريكية.
وتكمن المشكلة بالنسبة إلى أبوظبي في تراكم هذه المعطيات، إذ يمكن الطعن في تحقيق واحد يتعلق بالأسلحة، أو وصف شركة مشبوهة بأنها شركة خاصة، أو اعتبار تاجر ذهب مجرد نشاط تجاري، أو تصوير مجموعة من المتعاقدين الكولومبيين باعتبارها عملية تجنيد مستقلة، أو اعتبار مسار عبور واحد مجرد صدفة.
لكن الصورة تصبح أكثر أهمية عندما توضع هذه العناصر معاً: شركات مقرها الإمارات حُددت في عمليات شراء وتمويل مرتبطة بقوات الدعم السريع، وذهب سوداني يتدفق عبر شبكات تجارية إماراتية، وأسلحة صينية تقول منظمة العفو الدولية إن الإمارات أعادت تصديرها على الأرجح، ومتعاقدون كولومبيون جرى تجنيدهم على ما يبدو عبر شركة أمنية في أبوظبي، ومرور هؤلاء عبر منشآت عسكرية إماراتية، وشهادة تفيد بأن مواطنين إماراتيين قدموا التدريب.
وبالتالي، لم يعد السؤال الذي يواجه شركاء الإمارات الغربيين هو ما إذا كانت هناك اتهامات، بل ما مستوى الأدلة الذي يمكن أن يؤدي إلى عواقب على تلك العلاقات.
وفرضت واشنطن عقوبات على قادة في قوات الدعم السريع ومسؤولي مشتريات وشبكات تجنيد وشركات مقرها الإمارات. ودعت هيومن رايتس ووتش إلى إجراء تحقيقات يمكن أن تؤدي إلى فرض عقوبات على أي شخص، بمن في ذلك مسؤولون إماراتيون، إذا أثبتت أدلة موثوقة مسؤوليته عن تقديم مساعدات عسكرية لقوات الدعم السريع.
وذهبت منظمة العفو الدولية إلى أبعد من ذلك في ما يتعلق بنقل الأسلحة، ودعت الدول إلى وقف نقل الأسلحة إلى الإمارات حتى تتمكن من ضمان عدم إعادة تصديرها إلى السودان أو وجهات أخرى خاضعة للحظر.
ومع ذلك، لا تزال أبوظبي شريكاً غربياً رئيسياً في مجالات الأمن والاستثمار والدبلوماسية، وهو التناقض الذي يمثل جوهر التحقيق.
وتملك الحكومات الغربية بصورة متزايدة أدلة تصف شبكات تساهم في استمرار الحرب في السودان، فيما فرضت مؤسساتها عقوبات على شركات تعمل انطلاقاً من الأراضي الإماراتية، وتتبع محققون مستقلون الأسلحة والمقاتلين الأجانب عبر شبكات مرتبطة بالإمارات. لكن الشراكات الاستراتيجية مع أبوظبي صمدت إلى حد كبير أمام تراكم هذه النتائج.
ويكشف السودان بذلك عن مسألة تتجاوز رعاية أجنبية لمنظمة شبه عسكرية، إذ يكشف حدود نظام دولي يمكن أن تتعايش فيه الأهمية التجارية والأمنية مع اتهامات خطيرة بالتواطؤ في تدمير دولة أخرى.
ولا يتمثل السؤال النهائي في ما إذا كانت الإمارات وحدها تسببت في حرب السودان، فهي لم تفعل. فقد اختارت القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع خوض الحرب، وارتكب الطرفان انتهاكات، كما سعت جهات أجنبية عديدة إلى تحقيق مصالحها الخاصة.
لكن الحرب في السودان أوجدت اقتصاداً دولياً للعنف، وتشير مجموعة كبيرة من الأدلة إلى وجود شبكات عسكرية وتجارية ولوجستية مرتبطة بالإمارات داخل هذا الاقتصاد.
وتتجه الأسلحة نحو الإمارات، وتقود شركات المشتريات إليها، وتمر أجزاء من مسار المقاتلين الأجانب عبر الأراضي الإماراتية، فيما يتجه جزء كبير من ذهب السودان نحو الإمارات.
وفي المقابل، يرث المدنيون السودانيون الجانب الآخر من هذه المعادلة: مدن مدمرة ونزوح وجوع ومقابر.
ويشكل ذلك جوهر الخلل الذي يدور حوله التحقيق: يصدر السودان الذهب بينما يستورد الأسلحة، وتراكم الشبكات الأجنبية نفوذاً بينما تتفكك المؤسسات السودانية، وتحصل الجهات المسلحة على الموارد اللازمة لمواصلة القتال، بينما يفقد المدنيون الموارد اللازمة للبقاء على قيد الحياة.
وتتجاوز الاتهامات الموجهة إلى أبوظبي بذلك مجرد التدخل، إذ تشير الأدلة إلى احتمال وجود نظام أصبحت فيه حرب السودان وموارده والشبكات المسلحة المتنازعة على البلاد مرتبطة ببنية تحتية إقليمية للتجارة والسلطة تتمحور حول الإمارات.
ويبقى تحديد ما إذا كان مسؤولون إماراتيون يتحملون في نهاية المطاف مسؤولية قانونية مسألة تخضع لتحقيقات ومحاكم موثوقة، لا لمجرد التأكيد السياسي. لكن بعد سنوات من تتبع الأسلحة والعقوبات وسجلات الشركات والأدلة المتعلقة بالمقاتلين الأجانب، يصبح من الصعب بصورة متزايدة تجاهل السؤال السياسي الذي يواجه حلفاء أبوظبي: ما القدر الكافي من الأدلة قبل أن تتحول الشراكة إلى محاسبة؟















































