مقالات

سلاطين باشا .

د.طارق محمد عمر

هو رودلف انتون كارل فون سلاتين ، ولد في7 يونيو 1857 في العاصمة النمساوية فيينا ، وينحدر من أسرة ثرية .

يتحدث الانجليزية والفرنسية والالمانية والعربية ( هكذا تؤهل أوروبا ضباط مخابراتها ) .

أواخر ستينيات القرن التاسع عشر زار السودان سائحا مستطلعا ووصل حتى جنوب السودان والتقى غردون باشا الذي كان مديرا للاستوائية وهو في الاصل ضابط استخبارات انجليزي ( ارجح ان عمله في السودان كان تمهيدا لاستعماره بواسطة بريطانية ) ، فعرض غردون علي سلاطين العمل في جيش الخديوي لكن لم يعطه موافقة قاطعة.

عاد الى النمسا وكانت بينه وغردون مراسلات يرغبه فيها الالتحاق بجيش الخديوي .

في سنة 1878 عاد سلاطين إلى مصر والتحق بجيش الخديوي ، والراجح انه الحق بقسم المخابرات لانه بعد التخرج لم يعمل في وظيفة عسكرية ، بل عين مفتشا للضرائب ثم حاكما لاقليم دارفور سنة 1884 بقرار من غردون الذي اصبح حكمدارا للسودان .

عندما بلغت دعوة المهدي إقليم دارفور اضطر سلاطين للتظاهر باعتناق الإسلام وغير اسمه إلى عبد القادر .

حوصرت دارفور بواسطة جيش المهدية وقطعت عنها وسائل الاتصال ، اعتمد سلاطين على الجواسيس في إرسال التقارير إلى غردون باشا في الخرطوم وجلب توجيهاته .

كان يجوف سيقان نبات القنا ويخفي داخلها التقارير او بين طيات أرضية النعال او يخيطها بين الجلباب والرقع او في طيات الملابس او داخل السروج .

مع اشتداد الحصار استسلم وأسر واخذ إلى المهدي في الأبيض فبايعه .

وبرغم لم ينزع عنه القيد كاملا وكان يترجم للمهدي اذا حضر اليه اوروبي ، وقد صحبه إلى معسكر أمدرمان إبان حصار الخرطوم.

كان يترجم خطابات غردون المكتوبة بالإنجليزية والفرنسية والالمانية للمهدي ويخفي عنه الكثير من الاسئلة الاستخبارية التي يوجهها غردون إلى سلاطين مثل ، كم عدد قوات المهدي ونوع التسليح والطعام والمعنويات والنوايا ؟…..الخ .

فيضمن سلاطين ما املاه عليه المهدي ثم يجيب على أسئلة غردون .

بعد فتح الخرطوم واتخاذ ام درمان عاصمة للنظام المهدوي تم تشييد منزل للمهدي وخليفته ومنزل لسلاطين جوار منزل الخليفة ليكون تحت النظر خشية الهرب .

استمر سلاطين في ترجمة الخطابات المرسلة للمهدي وبعد وفاته أصبح يترجم للخليفة بذات الطريقة التجسسية .

تجار الحدود كانوا يجلبون معهم صحفا انجليزية وفرنسية بعضها طبعت خصيصا لسلاطين تتضمن أسئلة استخبارية فيرد عليها بذات اللغة ويسلمها سرا لتجار الحدود .

عمل ضابط المخابرات البريطاني ونجت باشا على وضع خطة لتهريب سلاطين من الأسر بامدرمان ، تم اختيار يوم شديد البرودة والرياح على ان يكون التحرك قبل منتصف الليل ، وتم شراء عدد من الإبل السريعة، كان مع سلاطين ابن اخته الصبي / نيكولا كادفانيس ، والده اغريقي هرب إلى الحبشة وشقيقه الأصغر يدعى/ دمتري المعروف بدمتري البازار ابو الفن .

شارك في العملية محمد ود الفحل زعيم قبيلة الفحلاب الميرفاب غرب بربر .

وإبراهيم محمد حمزة زعيم قبيلة الانقرياب بالباوقة .

وحامد جارحوش من قبيلة البشاريين.

والصادق عثمان تاجر بسوق أمدرمان الكبير .

قبل اسبوع من الهرب تظاهر سلاطين بالمرض أمام الخليفة ، وانه يعاني آلآما في بطنه ويريد دخول الخشبة ( دخول الخشبة وقتها يعني عدم مغادرة المنزل لمدة لاتقل عن ثلاثة ايام يتناول فيها المريض طعاما ماسخا اي بلا ملح او زيت او بهار ) كان هدف سلاطين ان لايشعر الخليفة بغيابه عن الصلوات الخمس في المسجد ، صدقه الخليفة على مضض لكنه طلب من أمن المدينة جس اخباره ، وفي هذا قال سلاطين: كنت اسمع ليلا همهمات ووقع خطوات جواسيس الخليفة قرب نافذة غرفتي .

في اليوم المحدد خرج سلاطين من بيته ومعه ابن اخته وقد لزم الناس مساكنهم بسبب برودة الطقس وسرعة اندفاع الرياح من الشمال إلى الحنوب وظلام الليل ، وسارا مئات الامتار إلى حيث مربط حمار تم تجهيزه وفقا للخطة وركبا على ظهره ثم استبدلاه بأحد جمال المهربين وانطلقا إلى خارج ام درمان جهة الشمال الغربي ثم شمالا بعيدا عن المساكن والعيون ، كانت الجمال مدربة وسريعة والرحلة مرهقة وقد استمرت لثلاث ايام .

بعد مضي يومين من دخول سلاطين الخشبة زاد شك الخليفة في امره ووجه بتفقده ، فعلم انه هرب ، شكل لجنة للتحقيق في العملية وأرسل مجموعة من استخبارات على جمال سريعة لتعقبه واعادته إلى أم درمان ولكن فات فات الأوان .

بعد جهد استخباري علم الخليفة بأسماء من شارك في عملية التهريب فقبض عليهم وقتلهم داخل مركب نيلي كبير والقى بجثثهم في عباب التيل الأبيض واشاع ان التمساح التهمهم قبل وصولهم السجن قي الجنوب .

عند وصول قافلة سلاطين إلى معسكر جيش كتشنر على الحدود السودانية المصرية كان في استقباله كبار القادة وتمت ترقيته ميدانيا إلى رتبة عميد وسط ابتهاج واحتفال كبير .

بقي سلاطين في الراحة لنحو اسبوعين ثم بدا في تدوين تقاريره عن الثورة المهدية والعاصمة أمدرمان والمديريات والسلاح والاقتصاد والمجتمع ، هذه المعلومات وما سبق له من تقارير أجلت كل غموض عن الساحة السودانية فاحكم كتشتر خطته العسكرية .

رافق سلاطين جيش كتشنر في زحفه نحو أمدرمان مستشارا أمنيا.

عقب المعركة شارك سلاطين في استجواب الاسرى وارشد إلى القادة والامراء ، ثم شارك مع ونجت ونعوم شقير في تكوين قلم المخابرات داخل الجيش البريطاني المحتل .

استمر سلاطين في خدمة المخابرات حتى رتبة لواء وتقاعد في العام 1914 مع بداية الحرب العالمية الأولى وغادر إلى موطنه النمسا ، وهناك التحق بخدمة الهلال الأحمر وشلرك في وفود تفاوضية نمساوية خارج البلاد .

اسر سلاطين لبعض المقربين منه : ان الانجليز لم يشعروه بالثقة رغم اخلاصه لهم .

توفي سلاطين باشا في سنة 1934 بعد معاناة من مرض السرطان.

د. طارق محمد عمر .

الخرطوم في يوم الخميس 31 يوليو 2025 .

النصر نيوز

المدير العام ورئيس التحرير:     ام النصر محمد حسب الرسول

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى