مقالات

الثورة المهدية و العروض الفرنسية

د.طارق محمد عمر

منذ نحو 200 سنة و عقب نجاح الثورة الفرنسية في باريس ، عملت المنظمات الفرنسية الثورية السرية على تصدير فكرة الثورة إلى مختلف دول العالم ، كانت هذه الفكرة تستهدف بريطانيا مضطردة التطور ذلك لخلافات تاريخية بين الدولتين .

تبنت الحركة الإسلامية التي ابتدرها جمال الدين الافغاني منذ مطلع العام 1870 ، و ثورتي عرابي في مصر و المهدية في السودان ، و الشيوعية في بطرسبيرج الروسية بقيادة لينين ، و جمعيتي الاتحاد و اللواء الأبيض ومؤتمر الخريجين و الحركة الاسلامية السودانية بزعامة د. ترابي ، و البعث السوري و العراقي،وثورة الخميني في ايران .

كل تلك الثورات كانت موجهة ضد بريطانيا وربيبتها أميركا ثم إسرائيل .

فرنسا اشعلت تلك الثورات من خلف الكواليس عن طريق منظماتها السرية الثورية ، خشية الاصطدام بالدول المستهدفة و ما يلحقه ذلك من ضرر بمصالحها .

بعد ان نجح المهدي في حصار الأبيض و اسقاطها استسلاما في العام 1883ظهر شاب فرنسي يدعى / اوليفييه بان ، يتحدث العربية بلسان غير طلق فاستجوبه خليفة المهدي / عبد الله ود تورشين مستعينا بالاسير سلاطين او سليطين كما يناديه الخليفة تصغيرا لشانه .

قال في الاستجواب : انه مسلم و حضر لمساعدة الثورة المهدية و طلب مقابلة الامام / محمد احمد المهدي .

يذكر ان اوليفييه قبل تحركه من باريس التقى الشامي / محمد عبده نائب جمال الدين الافغاني مؤسس الحركة الإسلامية العالمية ، و حمله خطاب تأييد ومؤازرة إلى مهدي السودان ، الا ان المخابرات البريطانية فتشته عند الحدود المصرية السودانية و صادرت الخطاب منه واودعته الحبس ، لحظتها أشير في باريس ان المخابرات البريطانية قتلت اوليفييه وانتزعت قلبه فتاثر شعب فرنسا ايما تأثر ، الا انه تمكن من الفرار و استعان بالبدو فاوصلوه إلى دنقلا ومنها إلى الأبيض .

عندما وصلت قوات المهدي منطقة شركيلا اثناء زحفها نحو ام درمان ، و بعد أن ام المهدي المصلين في صلاة العصر ، أخبر بطلب الفرنسي مقابلته ، فسمح له و لم يصافحه المهدي بيده و اكتفى بالابتسام في وجهه ، قال اوليفييه للمهدي : أن فرنسا و شعبها يؤيدون ثورتكم و يتطلعون لمساعدتكم ، رد عليه المهدي بقوله : لقد استمعت لحديثك و فهمت مقصودك ، لكن أمتك غير مؤمنة و بالتالي لا أقبل منها عونا ، فأنا استمد عوني من الله و المجاهدين .

بعد المقابلة انفرد به سلاطين ليعرف حقيقته ، و معلوم أن سلاطين رجل مخابرات نمساوي موال للبريطاني غردون باشا .

قال اوليفييه لسلاطين : انه فرنسي ثوري دولي ، يدعم كل الثورات المناهضة للاستعمار البريطاني الامبريالي ، و اضاف : نحن الفرنسيون بيننا و الشعب البريطاني ضغائن و خلافات قديمة ، و اضاف : أنه يعمل مراسلا لصحيفة الفيجارو الفرنسية و صحف أخرى .

يذكر ان فرنسيا آخر يدعى كابتن( نقيب ) / فيرت قد ظهر في صفوف المجاهدين بدعوى مساعدتهم .

أورد سلاطين في كتابه السيف و النار : ان اوليفييه مرض بالتايفوئيد عندما وصل الزحف منطقة الدويم على النيل الأبيض فوضع على سرير خشبي ( عنقريب ) و رفع على ظهر جمل الا ان الحبل الرابط للسرير قطع فهوى على الأرض و مات ، لا استبعد فرضية السم الذي كان منتشرا وقتها في الاغتيالات السياسية حيث حقن به الحكمدار ابو ودان بواسطة طبيب الماني ، مثلما دسته سبية المهدي فرانشكا في فمه فاستشهد .

و كانت الصحف الفرنسية قد كتبت عن رحلة اوليفييه و فيرت وتابعها الشعب الفرنسي بشقف ، و كانت بعض الصحف الفرنسية قد كتبت : ان المهدي اختار اوليفييه وزيرا للخارجية و كابتن فيرت وزيرا للدفاع .

عندما آل الحكم للمهدي ثم الخليفة عبد الله لم تتوقف العروض الفرنسية ، و كانت البوستة التي ترد شهريا من مصر تحتوي على خطابات موجهة لابن الخليفة الاثير / عثمان شيخ الدين تحثه على القبول بمساعدة فرنسا ، و قد وجد ذلك قبولا لدى عثمان ، الا ان والده رقض بشدة وقال له : لن اقبل يشئ رفضه الامام المهدي .

و كانت قوات فرنسية قد توغلت من غرب أفريقيا حتى مدينة فاشودة جنوبي السودان الا ان الخليفة لم يقبل بذلك و أرسل قوة لاخراجها فانسحبت .

أرى أن الثورة المهدية كانت في مسيس الحاجة لمساعدة فرنسا لكسر الحصار الدولي الشامل الذي ضرب على السودان و لاتاها العون العسكري و الامني و الاقتصادي من فرنسا عبر غرب أفريقيا و لكان لها شان آخر .

د. طارق محمد عمر .

الخرطوم في يوم الجمعة 31 يناير 2025 .

النصر نيوز

المدير العام ورئيس التحرير:     ام النصر محمد حسب الرسول

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى