أحمد عزالدين نوري يكتب: القرن الأفريقي وصراع السيادة العالمية

بسم الله الرحمن الرحيم
القرن الأفريقي بموقعه الاستراتيجي الفريد حلقة الوصل الأكثر حيوية بين القارات الثلاث والنافذة المطلة على أهم الممرات المائية العالمية وهو ما يجعله اليوم في قلب تداعيات حرب الشرق الأوسط التي أعادت رسم خارطة المصالح الدولية بمنظور أمني وعسكري حاد حيث أدت هذه التطورات إلى انفجار أزمة أمن البحر الأحمر مما حول المنطقة من ممر للتجارة العالمية إلى ساحة استنزاف للقوى الكبرى وأدى ذلك بالضرورة إلى عسكرة السواحل الشرقية لأفريقيا وزيادة وتيرة التواجد العسكري الأجنبي مما خلق ضغطاً هائلاً على السيادة الوطنية لدول المنطقة التي وجدت نفسها مجبرة على الانخراط في تحالفات دفاعية لمواجهة التهديدات المتصاعدة من الفاعلين من غير الدول والاضطرابات التي تعصف بحركة الملاحة عند مضيق باب المندب ، وأما على الصعيد الاقتصادي فقد تسببت الحرب في الشرق الأوسط واضطرابات الملاحة في صدمة مزدوجة لدول القرن الأفريقي تمثلت في ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين بنسب قياسية مما أدى إلى موجات تضخمية عاتية ضربت سلاسل الإمداد الغذائي والنفطي في دول تعاني أصلاً من هشاشة اقتصادية وتزامن ذلك مع تراجع الاستثمارات الأجنبية المباشرة نتيجة حالة عدم اليقين الأمني وتحول بوصلة المساعدات الدولية نحو بؤر الصراع المشتعلة مما فاقم من أزمات المديونية والفقر وهدد بانهيارات هيكلية في الاقتصادات المحلية التي تعتمد بشكل أساسي على الموانئ والخدمات اللوجستية المرتبطة بحركة التجارة الدولية العابرة للبحار ، وسياسياً أفرزت هذه الأزمات حالة من الاستقطاب الحاد داخل دول القرن الأفريقي حيث سعت القوى الإقليمية والدولية إلى استخدام هذه الدول كأوراق ضغط في صراعاتها الكبرى مما أدى إلى تداخل الأزمات المحلية مع الأجندات الخارجية وهو ما عمق الانقسامات السياسية الداخلية وأضعف قدرة المنظمات الإقليمية على الوساطة أو فرض الاستقرار وباتت المنطقة تشهد صراع إرادات بين القوى التقليدية الساعية للحفاظ على هيمنتها وبين القوى الصاعدة التي ترى في القرن الأفريقي موطئ قدم استراتيجي لإعادة تعريف موازين القوى العالمية في القرن الحادي والعشرين ، وإن الاتجاه الذي تسير نحوه قيادة العالم في ظل هذه الفوضى المنظمة يشير بوضوح إلى نهاية عصر القطبية الواحدة والتحول نحو نظام عالمي متعدد الأقطاب يتسم بالسيولة الأمنية والبراغماتية الاقتصادية حيث لم يعد بإمكان قوة وحيدة فرض استقرار شامل بل أصبحنا أمام دبلوماسية المحاور التي تتشكل بناءً على المصالح اللحظية والتحالفات الأمنية المرنة وبناءً عليه فإن مستقبل القيادة العالمية سيتحدد من خلال القدرة على السيطرة على العقد اللوجستية والممرات المائية الاستراتيجية مثل تلك الموجودة في القرن الأفريقي مما يجعل المنطقة معياراً أساسياً لمدى نجاح القوى العظمى في فرض رؤيتها للنظام الدولي الجديد وسط صراع محموم على الموارد والنفوذ والمواقع السيادية التي ستحدد شكل العالم في العقود المقبلة.


























