أحمد عزالدين نوري يكتب: مخاض النظام العالمي الجديد (من فوهة المدافع إلى هندسة السلام)

بسم الله الرحمن الرحيم
العالم اليوم على أعتاب تحول تاريخي لم يشهده منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث لم تعد المواجهة بين واشنطن وتل أبيب من جهة، وطهران وحلفائها من جهة أخرى، مجرد اشتباك حدودي أو ضربات تكتيكية محدودة، بل تحولت إلى صراع وجودي يعيد صياغة موازين القوى العالمية ، وإن استمرار هذه الحرب يعني بالضرورة دخولنا في عصر الفوضى العظيمة، حيث يتداخل البعد العسكري التقليدي مع حروب الجيل السادس المعتمدة على الذكاء الاصطناعي والمسيرات الانتحارية والأسلحة الفرط صوتية التي غيرت قواعد الاشتباك فوق مياه الخليج وشرق المتوسط، وتتجه واشنطن وتل أبيب حالياً نحو استراتيجية الإنهاك الشامل التي تستهدف شل القدرات الإنتاجية والنووية الإيرانية، لكن طهران من جانبها لا تقاتل من داخل حدودها فحسب، بل تدير معركة وحدة الساحات ، والتي تجعل من كل نقطة يتواجد فيها نفوذ غربي هدفاً مشروعاً، مما يعني تحول الممرات المائية الدولية مثل مضيق هرمز وباب المندب إلى مناطق استنزاف عسكري واقتصادي لا يمكن التنبؤ بنهايتها ، وفي هذا المشهد المعقد، يبرز الدور الروسي والصيني ليس كمتفرجين، بل كلاعبين استراتيجيين يمسكون بخيوط اللعبة من خلف الستار، حيث ترى موسكو في هذا الصراع هدية جيوسياسية نادرة تزيح الأكسجين الإعلامي والعسكري عن الجبهة الأوكرانية وتستنزف المخزون التسليحي الأمريكي في رمال الشرق الأوسط، ولذلك فإن روسيا تمارس التحوط الاستراتيجي عبر تزويد طهران بمنظومات دفاعية متطورة ومقاتلات لرفع تكلفة أي اجتياح جوي غربي، محولةً الأراضي الإيرانية إلى ساحة اختبار لمنظوماتها ضد التكنولوجيا الأطلسية، بينما تنظر بكين والتي تعتمد على طهران لتأمين احتياجاتها النفطية ، ويمثل ضرب إيران كاعتداء مباشر على أمن طاقتها القومي ، وهي الآن تستخدم ثقلها الاقتصادي لإنشاء نظام مالي موازٍ بعيداً عن الدولار لحماية تعاملاتها مع المحور الإيراني ، مع تقديم دعم استخباراتي ولوجستي لتعزيز دقة الردود الإيرانية ، مما يجعل الصين وروسيا اليوم بمثابة المرساة التكنولوجية التي تمنع انهيار النظام الإيراني وتطيل أمد الحرب لإنهاك الهيمنة الأمريكية ، وأما إذا توقفت هذه الحرب فجأة بقرار سياسي دولي أو نتيجة توازن الرعب النووي، فإن الحاضر لن يكون عودة للماضي، بل سيكون إعلاناً رسمياً لولادة عالم متعدد الأقطاب، حيث سيخرج المحور الإيراني معتبراً صموده نصراً إلهياً جيوسياسياً يكرس شرعيته كقوة إقليمية لا يمكن تجاوزها، بينما ستجد تل أبيب نفسها أمام واقع أمني جديد يفرض عليها القبول بقواعد اشتباك قاسية ومكلفة، وستضطر واشنطن للاعتراف بفشل سياسة تغيير الأنظمة والتحول نحو إدارة النزاعات بدلاً من حسمها. إن التوقف المفاجئ للحرب سيؤدي إلى سباق تسلح محموم في المنطقة، حيث ستسعى كل دولة لتأمين مظلتها النووية أو الصاروخية الخاصة، وستتحول إيران إلى دولة عتبة نووية معترف بها ضمنياً ، ومما يدفع دول الجوار لإعادة تموضعها الاستراتيجي نحو الشرق (بكين وموسكو) لضمان أمنها بعيداً عن الوعود الأمريكية المتذبذبة ، وإن هذا التلاحم بين تنين الصين ودب روسيا مع نمر طهران يدفع العالم نحو استقطاب حاد ينهي حقبة القطب الواحد للأبد، وسوف يؤدي استمرار الحرب أو حتى توقفها الهش إلى تغيير جيني في الاقتصاد العالمي، حيث إن قفزات أسعار النفط وتوقف سلاسل الإمداد سيفجران ثورات جياع واضطرابات اجتماعية، مما يجعل مصير النظام العالمي مرتبطاً بمدى قدرة الأطراف على هندسة سلام مسلح يمنع الانزلاق نحو الهاوية الشاملة ، وإن العالم يذهب الآن نحو تشكل خارطة جديدة، تبرز فيها قوى إقليمية بديلة وتتآكل فيها هيبة المنظمات الدولية، لنصل في النهاية إلى حقيقة أن الشرق الأوسط في ربيع 2026 لم يعد مجرد ساحة حرب، بل هو المختبر الذي يُصنع فيه وجه العالم الجديد ، حيث تُكتب فصول التاريخ ببارود الصواريخ وصمت الدبلوماسية العاجزة التي تنتظر إشارة المنتصر.



























