د.طارق محمد عمر يكتب: أكتوبر 21 / الملف الأمني

التنمية الشاملة و الرخاء و الرفاه و السعادة و العدل و الامن و راحة البال عاشها الشعب السوداني في اعوام حكم الفريق / ابراهيم عبود 1958 إلى 1964 .
في العام 1962 أراد عبود وضع بصمة اسلامية على نظام حكمه تكسبه رضا الرحمن .
منع تقديم الخمور في الحفلات الرسمية للدولة ، فكان هذا ملفتا لنظر السفراء الاجانب و مندوبي المخابرات الغربية في السودان .
ثم شرع ابراهيم عبود في نشر اللغة العربية في الجنوب عبر تعريب المناهج الدراسية مثلما عمل على نشر الإسلام ، ذلك بتشييد المساجد و الخلاوى و اتاحة فرص للطلاب الجنوبيين لدراسة العلوم الشرعية في معهد أمدرمان العلمي .
هذا التوجه العربي الإسلامي ازعج القسس و الرهبان الأجانب في السودان عامة و الجنوب و جبال النوبة و جنوب النيل الأزرق بشكل خاص .
تضافر رجال الدين المسيحي الأجانب على تحريض الجنوبيين على التمرد ضد نظام الحكم و زرعوا الاعشاب النهرية المعيقة للملاحة بين الشمال و الجنوب على ضفتي التيل الابيض فحوكموا بالجلد و الغرامة ..
بعض رجال الدين المسيحي من أبناء جنوب السودان ابلغوا السلطات الأمنية بتصرفات الأجانب و قابلوا الفريق عبود سرا في القصر الجمهوري .
أصدر الفريق عبود قرارا بسودنة الكنائس وطرد رجال الدين المسيحي الأجانب من السودان.
لم يعودوا إلى اوطانهم بل أقاموا خارج حدود السودان في الكنغو و اوغندا و كينيا و اثيوبيا و كانت مدينة قومبيلا الإثيوبية الأنشط في تنفيذ مخططات الفسس و الرهبان .
طلب مجلس الكنائس العالمي من الحكومات الغربية و على راسها أميركا الاطاحة بنظام عبود .
كانت الساحة السيلسية السودانية إذ ذاك بيد الشباب ، الهادي المهدي 40 عاما و قد نازعه الصادق الصديق 29 عاما امامة الأنصار و قيادة حزب الامة .
د . ترابي 31 عاما وقد أعتلى لتوه قيادة حركة الإخوان المسلمون .
محمد عثمان الميرغني دون العشرين عاما و والده علي الميرغني طعن في السن وعانى من مرض كلوي .
عبد الخالق محجوب زعيم الشيوعيين 37 سنة ، حزبه مشارك في نظام عبود .
اسماعيل الازهري 64 عاما لكنه مغضوب عليه من الغرب لطرده المستعمر الانحليزي و رفضه قبول المعونة الأمريكية .
بدأ تنفيذ خطة الاطاحة بعبود و نظام حكمه بحث الشركات الأجنبية على تحويل مدخراتهم من العملات الأجنبية إلى مصارف خارج السودان فتداعى الجنيه السوداني .
ارسلت عدة أجهزة مخابرات غربية دعوة لجهاز الامن تفيد باتاحة فرص تدريبية لعدد من الضباط فتمت الموافقة و غادروا إلى أوروبا ، و كان الهدف احداث فراغ أمني لتيسير مهمة الاطاحة بعبود .
تلقى مدير الأمن العام وقتها اللواء/ ابراهيم حسن خليل رسالة خطية من الرئيس المصري /جمال عبد الناصر لزيارة مصر يوم 20 أكتوبر 1964 للوقوف على اخر تطورات الأمن و الشرطة في مصر ، و تصدرت عناوين الصحف على صفحاتها الاولى خبر الدعوة و تاريخ الزيارة .
حدثني اللواء وقتها الفريق/ ابراهيم حسن خليل انه ارتاب في امر الدعوة و فكر في الاعتذار لكن الصحف وضعته أمام الأمر الواقع ، واضاف : عندما وصلت القاهرة لم أجد اية تحديثات أمنية ممازاد من شكي و ارتيابي .
تم تنظيم ندوة بجامعة الخرطوم عن مشكلة جنوب السودان المتفاقمة دعي للحديث فيها بعض السياسيين من بينهم د . ترابي عميد كلية القانون استاذ القانون الدستوري .
امر ضابط أمن عميل للمخابرات الأمريكية بتوجيه الجنود لاطلاق النار بطريقة عشوائية بما في ذلك جهة داخلية الطلاب أثناء انعقاد الندوة الليلية ، وكان الهدف إصابة بعض الطلاب لاشعال التظاهرات في الشوارع ضد العسكر واجبار عبود على التراجع من قرار طرد القسس الأجانب و تعريب و اسلمة الجنوب ، فسقط الطالب القرشي شهيدا و هو خارج من الحمام و على كتفه البشكير كما روى لي ذلك الطالب وقتها المحامي كمال ابراهيم خليل .
فاندلعت التظاهرات الطلابية ضد العسكر و النظام الحاكم ليس في الخرطوم فحسب إنما شملت عددا من المدن و قتل جرائها نحو 250 شابا ، اولهم الشهيد عزالدين نصار خال الكاتب و ابن اخت الفريق ابراهيم خليل ، فنظم الشاعر هاشم صديق ابن ال 16 ربيعا قصيدة الملحمة مخلدا فيها صديقه الشهيد عز الدين نصار : يا ساحة القصر ياحقل النار يا واحة بتحمل روح نصار ، حلفنا نقاوم لي آخرنا .
تدخل بعض الضباط و اقنعوا الفريق عبود بحل المجلس العسكري و استمراره رئيسا مؤقتا إلى حين تسليم السلطة للمدنيين .
واصل الفريق / ابراهيم حسن خليل روايته قائلا : سمعت باندلاع التظاهرات في الخرطوم وحاولت العودة اكثر من مرة لكن الحكومة المصرية اخذت في التسويف و المماطلة ، عدت بعد 11 يوم ومن سلم الطائرة إلى القصر الجمهوري مباشرة و التقيت الفريق عبود وقلت له : لو انك اعتقلت هذا الضابط العميل و اعدمته في ميدان الأمم المتحدة لانتهت التظاهرات ..
تلك كانت قصة ثورة اكتوبر ليتنا نعتبر .
د. ترابي قال : ان ثورة اكتوبر حدثت بغتة اي فجأة ، و هذا يشير الى عدم علمه بالمخطط الأمريكي الغربي .
يذكر ان نظام جمال عبد الناصر صناعة امريكية سرية بامتياز .
د. طارق محمد عمر .
رئيس لجنة الشؤون الأمنية بتجمع الاكاديميين و الباحثين و الخبراء السودانيين .
الخرطوم في يوم الخميس 24 أكتوبر 2025 .


























