حسن النخلي يكتب التحليق وسط الزحام

السودان والجامعة العربية: بين وهم التضامن وحقيقة المصالح
قراءة في مقال: “السودان ما بين الاستغلال والاستغفال”
كتبتُ مقالاً سابقاً بعنوان “السودان ما بين الاستغلال والاستغفال” نُشر في 18 مايو 2025 عبر ھذا الموقع على وكالة نيوز تحت عنوان مقال رأي. خلصتُ فيه إلى أن خسارة السودان من بقائه في جامعة الدول العربية تفوق فائدته، وأن الخروج منها “أولى مراحل التحرر الحقيقي”. وجاء اجتماع القاهرة يوم الأحد 10 مايو 2026 ليمنح هذه القراءة مادة عملية تثبت صحة التشخيص.
*أولاً: الاجتماع الأخير بيانٌ بلا أثر*
انعقد مجلس الجامعة على مستوى المندوبين الدائمين بطلبٍ سوداني لبحث التدخلات الخارجية في الشأن السوداني. صدرت قراراتٌ تؤكد التضامن مع السودان، وترفض التدخل، وتدعو إلى وقف إطلاق النار وتكثيف المساعدات الإنسانية. لكن قبل اكتمال الجلسة انسحب وفد الإمارات.
ولم يكن الانسحاب احتجاجاً إجرائياً، بل رسالة سياسية مفادها: لا نعترف بهذا القرار ولا نرى أنفسنا ملزمين به. وهو ما تأكد عندما اتهم وفد السودان الإمارات علناً بتقديم تعديلات “تخل بالهدف الأساسي” للمشروع، وقال إنها “طرف أساسي في هذه الحرب”.
*ثانياً: لماذا تتكرر هذه المشاهد؟*
السبب لا يكمن في النوايا الحسنة أو السيئة للأفراد، بل في بنية الجامعة نفسها:
الجامعة لا تملك سلطة تنفيذية ولا آلية عقوبات. أقصى ما تفعله إصدار بيانات وتوصيات وتكليف الأمين العام بالمتابعة. وحين يكون القرار غير ملزم، يصبح الانسحاب بلا كلفة.
تعتمد الجامعة على مساهمات الدول الأعضاء، والإمارات من ضمن أبرز الممولين. ومن المستحيل عملياً أن تصدر الجامعة قراراً يدين دولةً هي في الوقت نفسه داعمة لميزانيتها.
منذ عام 1945 قام نظام الجامعة على الإجماع وحق التعطيل الفعلي لكل دولة. لم تُنشأ كهيئة فوق وطنية، بل كإطار تنسيق يحمي سيادة الأعضاء.
*ثالثاً: النمط يتكرر في ملفات أخرى*
ما حدث مع السودان ليس استثناءً. في اليمن وليبيا وسوريا كانت الجامعة تعكس توازن القوى بين أعضائها، لا تصنعه. وحين يتعارض القرار مع مصلحة دولة ممولة، يُعطل القرار أو يُفرغ من محتواه.
*رابعاً: البدائل العملية أمام السودان*
التحرر الحقيقي لا يعني العزلة، بل إعادة توجيه الدبلوماسية نحو منصات أكثر فاعلية:
السودان عضو في الإيغاد والاتحاد الأفريقي. هاتان المنظمتان، رغم محدودية مواردهما، تدخلتا عملياً في الأزمة السودانية أكثر من الجامعة العربية، وفرضتا تعليق عضوية دول عند الانقلابات. إعادة تركيز الجهود الدبلوماسية عليهما يمنح السودان مساحة تحرك أقل تسييساً بمصالح الخليج.
البقاء في الجامعة له كلفة سياسية ومعنوية. كل بيان مخفي وكل انسحاب إماراتي يرسل رسالة للعالم أن السودان غير قادر على حشد حتى دعم شكلي. هذا يضعف موقفه في مجلس الأمن ومفاوضات المساعدات ويجعل التفاوض من موقع أضعف.
وإن كان فينا مستعرب، فنحن أفارقة: زنج، نوبة، فور، بجا. خليط هو السودان، هوية غنية عن التعريف أو البحث عن انتماء صوري. فالعودة إلى الجذور هي الحل.
وبحسب وجهة نظر التحليق فإن قضية السودان كشفت مرة أخرى أن الجامعة العربية ليست آلية لحل النزاعات، بل مرآة لتوازنات المصالح. ولهذا يبدو رأي في الخروج منها منطقياً لمن يريد تحرير القرار الوطني من ضغط هذه المعادلة، والانتقال إلى أطر إقليمية تقيس السودان بحجمه الحقيقي، لا بحجم من يمول ميزانيتها.
حفظ الله البلاد والعباد.
جيش واحد شعب واحد.
ودمتم سالمين ولوطني سلام.
الثلاثاء 12 مايو 2026



























