د.طارق محمد عمر يكتب: سيد فرح ( الرجل الثائر ) .

سيد فرح صالح من أبناء منطقة دلقو المحس ويقال ان بعض اصوله من الكنوز شمالي السودان .
في زيارته لدلقو أولم جد سيد فرح على شرف زيارة كتشنر باشا حاكم عام السودان فاعجب بكرم السودانيين وأراد ان يكافئه على كرمه فاعطاه توصية بقبول حفيده سيد بكلية غردون التذكارية ولم يدر انه سيصبح لهم هما وحزنا .
بالفعل درس سيد فرح في كلية غردون التذكارية ثم التحق بالمدرسة الحربية بامدرمان وتخرج برتبة ملازم ثان .
صار واحدا من أعضاء جمعية اللواء الأبيض بعد تجنيده بواسطة الضابط/ علي عبد اللطيف الذي اتخذ من موقع منزله ببانت شرق مصيدة لتجنيد الطلبة الحربيين .
تعرف سيد فرح على عبد الفضيل الماظ وعبيد حاج الأمين وغيرهم من صغار ضباط قوات دفاع السودان المنضوين تحت لواء جمعية اللواء الأبيض.
ثورة 1924 كانت بقيادة عبد الفضيل الماظ إثر اعتقال علي عبداللطيف، وتم اختيار سيد فرح نائبا له في الثورة المسلحة المزمع قيامها.
كان الملازم سيد فرح قائدا لقوات حرس السجن الحربي وبعد الإتفاق مع القوة المصرية المعسكرة بالخرطوم بحري على مهاجمة القوات البريطانية وتحديد ساعة الصفر ، حضر عبد الفضيل الماظ بقواته إلى ميدان قشلاق سعيد باشا ( غرب مبنى السلاح الطبي الحالي ) وتظاهر باستعراض القوة ومنها اتجه إلى مباني السجن الحربي بحي بانت شرق ( مكان قصر الشباب والاطفال الراهن ) مع بعض الأفراد،، واصطحب معه نائبه سيد فرح إلى مدرسة الضرب نار او مدرسة التعليم شرق سلاح المهندسين حيث انضم اليهم الملازم اول/ سلمان والملازم /ثابت عبد الرحيم والملازم ثاني/ علي البنا والملازم ثاني/ حسن من الاورطة 13 ، بعدها توجهوا إلى السجن الحربي حيث امر سيد فرح جميع الحرس بالانصراف إلى منازلهم، وصادف انه كان الضابط نوبتجي المدينة ، بعدها قاموا بكسر إقفال مخزن السلاح والذخيرة الخاصة بالسجن وسلحوا القوة المشاركة في الثورة وكانوا نحو مئة من الضباط وصف الضباط والجنود وعبروا كبري النيل الأبيض إلى شارع التيل الخرطوم ، واشتبكواا عند مغيب الشمس مع القوات البريطانية في الخرطوم لساعات ، وشاءت الاقدار ان يصاب الملازم/ سيد فرح في رجله إصابة بليغة لم تمكنه من مواصلة القتال ، وبرغم طلب منه عبد الفضيل الماظ قطع النيل الأزرق سباحة واستعجال القوة المصرية لارسال مزيد من الذخيرة ان لم يوافقوا على المشاركة في القتال ، ففعل ولسان حاله يقول : والنهر يطفح بالضحايا بالدماء القانية .
لحظتها اشتد القتال على مجموعة عبد الفضيل وبدأت الذخيرة في النفاد فاستعصموا بمستشفى النهري للعيون ثم بالمستشفى العسكري الخرطوم الكائن بشارع النيل .
بصعوبة وصل سيد فرح إلى معسكر الجيش المصري وتم تطبيب اولي لجرحه ، واوصل رسالة عبد الفضيل بطلب الذخيرة ، لكن قائد القوة اعتذر عن تلبية الطلب بحجة ان القوات البريطانية جردتهم من السلاح والذخائر وامرتهم بالاستعداد للعودة إلى منصر بعد ابرازها أمرا ملكيا بتوقيع وخاتم الملك فؤاد يأمر القوات المصرية بالعودة من السودان ، واضاف بانهم يعلمون ما جرى للقوة السودانية وان المعركة شبه حسمت لصالح القوات البريطانية، وطلبوا منه مرافقتهم إلى مصر لان وضعه الصحي لايمكنه من مواصلة القتال واذا عاد الى الخرطوم سيعدم ، استجاب لطلبهم وغادر وسط القوات المصرية دون أن تعلم به استخبارات الجيش البريطاني.
بعد انتهاء المعركة تم إعدام كل من الضباط حسن فضل المولى وثابت عبد الرحيم وسليمان محمد وحكم بالسجن المؤبد على علي البنا ومحمد المهدي الخليفة بينما سجن كل من الضباط المعتقلين 10 سنوات على كل منهم وهم علي عبد اللطيف وعبيد حاج الأمين ومحمد المهدي خليفة ومحمد البخيت بينما سجن بقية المعتقلين بين 5 سنوات إلى 6 اشهر .
بعد وصوله إلى مصر استكمل علاج رجله وغادر إلى ليبيا ملتحقا بقوات المجاهد عمر المختار وقدم لها مساعدات في التدريب والتخطيط العملياتي وشارك في مقاتلة الجيش الإيطالي وابلى بلاء حسنا ، ولما اعتقل واعدم المجاهد عمر المختار استطاع سيد فرح الافلات من الاستخبارات الايطالية وعاد إلى مصر وعاش في الريف وتزوج منه وأسس متجرا صغيرا للصرف على أسرته ، اعتقلته حكومة 23 يوليو 1952 بحجة استضافته لضابط معارض للثورة ويبدو انه حاول تدبير ثورة مسلحة ضد نظام جمال عبد الناصر الذي اطاح بالملك فاروق ثم اطلق سراحه لاحقا ، ومعلوم ان ثورة جمال كانت امريكية الفكرة والتكوين والمهام وذات صلة وثيقة ببريطانيا .
عبد اللطيف وصحبه غرسوا النواة الطاهرة .
من أجلنا ارتادوا المنون ولأجل هذا اليوم ” الاستقلال ‘ كانوا يعملون .
غنوا لهم يا اخوتي فلتحيا ذكرى الثائرين .
د. طارق محمد عمر .
رئيس لجنة الشؤون الأمنية بتجمع الاكاديميين والباحثين والخبراء السودانيين .
الخرطوم في يوم الأحد 26 أكتوبر 2025 .


























