مقالات

د.طارق محمد عمر يكتب: الأبعاد الأمنية لثورة 1924 .

كل الضباط و الصف و الأفراد الذين شاركوا في الثورة من المسلمين و هذا يرجح انها امتداد للثورة المهدية التي كانت ضد المستعمر البريطاني النصراني ، و كان لسلطات حكم الخديوية دور تشجيعي في قيام الثورة المهدية للتخلص من المستعمر البريطاني . و الخديوية نظام حكم الباني اوروبي مكنته فرنسا من حكم مصر سنة 1805 و فرنسا متجذرة تاريخيا في مصر و عدو لبريطانيا .

مثلما كان للخلايا الشيوعية في السودان اثرا في تكوين خلايا الثورة و جمعية اللواء الأبيض ، و هي خلايا سرية لايزيد عدد أفراد الواحدة منها عن 7 أعضاء ، و يتشكل من مجموعها التنظيم ، و الشيوعية بنت فرنسا تنظيما و دعما للنيل من بريطانيا و ربيبتها اميركا .

أعضاء الثورة كانوا شبابا في مطلع العشرينات من العمر و هو عمر يعرف بسن عنفوان الشباب ، ميزته التحدي و الاندفاع دون اكتراث للعواقب .

عضوية جمعية اللواء الأبيض بلغت 76 الف نسمة في جميع ارجاء السودان ، هذا الرقم كشفته طالبة ماجستير هولندية زارت السودان أواخر تسعينيات القرن الماضي ، ذلك من واقع سجلات الدفاتر المالية الخاصة باشتراكات الأعضاء .

لكن الذين شاركوا في الثورة كانوا 100 من ضابط لصف ضابط لجندي ، و هذا تفسيره ان سر التنظيم كان بيد علي عبد اللطيف الذي اعتقل قبل الثورة و الا لكان عدد المشاركين اكبر بكثير .

الاستخبارات العسكرية البريطانية التابعة لجيش المستعمر البريطاني في السودان فشلت في كشف عضوية الجمعية و اكتفت بالمكتب القيادي و اعتقلت عضويته و بالتالي لم تكن تعلم بمخطط الثورة و التحضير لها و تحركات المنفذين ، و هذا يعود إلى أن الاستخبارات البريطانية تعتبر استخبارات ميدان بحتة اي انها استخبارات تنشط ميدانيا إبان الحروب و لاشأن لها بالتنظيمات السياسية و تعتبر اي اهتمام لجهاز استخبارات غير الحرب نوع من عدم الرجولة او ( الخيابة ) على حد و صفهم .

لكن لما نما إلى علم قائد الاستخبارات وجود اجتماعات سرية في منزل علي عبد اللطيف زاره في المنزل مرتين و حاول اغراءه بالمال و الترقي ثم حذره من العواقب الا ان علي انكر كل الاتهامات ، ثم وجه بإجراء اكثر من تفتيش مفاجئ للمنزل الا انه لم يعثر على دليل ، بينما كان الدليل مخبأ في طيات ملابس السيدة العازة حرم علي عبد اللطيف ، و هذا يؤكد بعد الاستخبارات البريطانية عن العمل الأمني المرتبط بالسياسة .

بينما اعتبر قلم المخابرات كل مايدور داخل الجيش من اختصاص الاستخبارات العسكرية و لاشان للقلم به ؛ نجم عن ذلك ثغرة استغلها الثوار .

سكن معظم ضباط وصف ضباط الثورة في إحياء بانت شرق وحي الضباط و قشلاق سعيد باشا في مساحة لاتتعدى ال 5 كيلومترات مربعة سهل من عملية التواصل و الاجتماعات تحت غطاء الزيارات و المناسبات الاجتماعية ، تمويها على الأجهزة الأمنية .

ضباط الاستخبارات العسكرية و قلم المخابرات المصريون اوكلت لهم مهام النشاط الميداني بحكم معرفتهم باللغة العربية و العامية السودانية، و هؤلاء كان و لاؤهم للملك فؤاد لا الانجليز ، و يرجح اخفاءهم للتقارير الأمنية المتعلقة بجمعية اللواء الأبيض و الثوار .

أعضاء جمعية اللواء الأبيض المولودون في مصر مثل عبد الفضيل الماظ و المنحدرون من أصول مصرية مثل عبد الله خليل سهل من عملية التواصل مع الانساق الأمنية المصرية و حكومة الملك فؤاد ، و كان عبد الله خليل عند تقلده منصب رئيس الوزراء استعان بعتصر من مباحث أمن الدولة المصرية اي الأمن الداخلي مستشارا خاصا له ، ذلك ان مصر تعتبر السودان شأنا داخليا يخصها .

البوليس السري التابع للمباحث الجنائية كان اغلب صف ضباطه و افراده من السودانيين و لهم ميل فطري لابناء جلدتهم .

البريطانيون فضلوا السكن في الحي البريطاني بالخرطوم شرق و قليل منهم سكن في أمدرمان و بحري ، و بالتالي غاب عنهم نبض الشارع ورؤاه و تطلعاته و ما يدور في الخفاء .

حيث أن امر جمعية اللواء الأبيض و ما نجم عنها من ثورة عام 1924 يعد منعطفا تاريخيا و سياسي و عسكري و امني مهم ، أرى أن يبحث على مستوى الماجستير .

   د. طارق محمد عمر .

رئيس لجنة الشؤون الأمنية بتجمع الاكاديميين و الباحثين و الخبراء السودانيين .

في يوم الاثنين 27 أكتوبر 2025 .

النصر نيوز

المدير العام ورئيس التحرير:     ام النصر محمد حسب الرسول

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى