عالمية

من جدل التوريث إلى شرعية الدم.. كيف اعتلى مجتبى خامنئي قمة السلطة بإيران؟

وكالات- النصر نيوز

في خضم الحرب التي تخوضها إيران مع الولايات المتحدة وإسرائيل، برز اسم مجتبى خامنئي سريعا لخلافة والده علي خامنئي الذي قُتل في الهجوم المشترك على طهران أواخر فبراير/شباط الماضي، في انتقال للسلطة جمع بين الترتيبات الدستورية واعتبارات الشرعية السياسية.

فمقتل المرشد الإيراني وضع النظام أمام اختبار حساس يتعلق بكيفية إدارة انتقال القيادة في لحظة عسكرية وسياسية شديدة التعقيد، ما دفع مؤسسات الحكم إلى التحرك سريعا لتثبيت مركز القرار.

وفي هذا السياق، أوضح مدير مكتب الجزيرة في طهران نور الدين الدغير أن المشاورات بدأت فور اغتيال علي خامنئي، وشملت مجلس خبراء القيادة إلى جانب المؤسسات السيادية، مثل الحرس الثوري والأجهزة الأمنية والحكومة، إضافة إلى هيئات مؤثرة كمجلس صيانة الدستور ومجلس تشخيص مصلحة النظام.

وخلال تلك المشاورات، طُرحت عدة أسماء داخل الأوساط السياسية والدينية، بينها حسن خميني وعلي خميني، كما تداول البعض اسم الرئيس الأسبق حسن روحاني، لكن اسم مجتبى خامنئي بقي الأكثر حضورا في النقاشات.

ولتحويل هذا التوافق إلى قرار رسمي، كان لا بد من المرور عبر الآلية الدستورية، إذ ينص القانون الإيراني على أن انتخاب المرشد يتم خلال اجتماع حضوري لمجلس خبراء القيادة مع مناقشة الشخصيات المطروحة قبل التصويت.

وبحسب البيان الصادر عن المجلس، فقد عُقد الاجتماع وفق الصيغة الدستورية الكاملة، حيث جرت المداولات بين الأعضاء قبل أن يتوافقوا في نهاية المطاف على اختيار مجتبى خامنئي مرشدا ثالثا للجمهورية الإسلامية، الذي أعلن توليه المنصب رسميا في وقت سابق من مساء الأحد.

ويعد مجتبى خامنئي، المولود عام 1969، من الشخصيات المؤثرة داخل الدوائر القريبة من مركز القرار في إيران، وقد تردد اسمه مرارا خلال السنوات الماضية بوصفه مرشحا محتملا لخلافة والده.

إشكالية التوريث

لكنّ طرْح اسمه كان يصطدم دائما بإشكالية التوريث، وهي مسألة حساسة داخل النظام الإيراني الذي يقوم نظريا على مبدأ اختيار الولي الفقيه وليس انتقال المنصب داخل العائلة.

الصحفي المتخصص في الدراسات الإيرانية عبد القادر فايز يرى أن هذه العقدة ظلت تلاحق اسم مجتبى خامنئي قبل الحرب، لأن فكرة التوريث تتعارض مع الفلسفة السياسية التي قامت عليها الجمهورية الإسلامية.

غير أن اغتيال علي خامنئي غيّر معادلة الشرعية، إذ أضيفت إلى مجتبى خامنئي -وفق فايز- ما يمكن تسميته “مشروعية الدم”، وهي فكرة لها حضور قوي في التاريخ السياسي الشيعي.

ويشير فايز إلى أن هذه المشروعية تمنح القائد بعدا رمزيا عندما يرتبط اسمه بواقعة استشهاد أو مواجهة مع خصوم خارجيين، ما يعزز موقعه السياسي داخل النظام.

إلى جانب ذلك، يتمتع مجتبى خامنئي بخلفية تجمع بين الخبرة السياسية والدينية، فقد نشأ داخل بيت المرشد واطلع لسنوات على آليات اتخاذ القرار في الدولة الإيرانية.

كما انضم في شبابه إلى الحرس الثوري خلال الحرب العراقية الإيرانية عام 1986، قبل أن يتجه لاحقا إلى الدراسة الدينية في الحوزة العلمية ويبلغ درجة الاجتهاد التي تؤهله لتولي منصب الولي الفقيه.

ويرى فايز أن هذه الخلفية تمنحه شرعية مركبة تجمع بين الانتماء الثوري والخبرة المؤسسية والتأهيل الديني، وهي عوامل مهمة في نظام يقوم على توازن دقيق بين الدين والسياسة والأمن.

لكن التحدي الأبرز أمام المرشد الجديد لا يتعلق فقط بطريقة وصوله إلى المنصب، بل بقدرته على إدارة مرحلة الحرب التي تمر بها إيران حاليا.

فبحسب تقدير فايز، تحتاج إيران في هذه المرحلة إلى مرشد قوي قادر على اتخاذ قرارات حاسمة، سواء في اتجاه التصعيد العسكري أو في اتجاه البحث عن تسوية سياسية.

قوة للاستمرار أو التراجع

ويشير إلى أن التاريخ السياسي الإيراني يظهر أن القادة الأقوى ليسوا فقط من يذهبون إلى الحرب، بل أيضا من يمتلكون القدرة على اتخاذ قرارات صعبة مثل التراجع أو التسوية إذا اقتضت المصلحة ذلك.

من جهته، يرى أستاذ دراسات إيران والشرق الأوسط في الجامعة الوطنية الأسترالية علم صالح أن انتخاب مجتبى خامنئي يحمل رسالة سياسية واضحة إلى خصوم إيران.

فبحسب تقديره، فإن أبرز ما أفرزته الضربة العسكرية كان قدرة النظام الإيراني على إعادة إنتاج قيادته بسرعة، في إشارة إلى أن مؤسسات الدولة ما زالت متماسكة رغم الهجوم.

ويضيف أن هذا الانتخاب يعكس دور ما يعرف بـ”الدولة العميقة” في إيران، ولا سيما الحرس الثوري، في ضمان استمرارية النظام ومراكزه الأساسية.

ويستحضر صالح تجربة عام 1989 عندما تولى علي خامنئي المنصب رغم أنه لم يكن آنذاك مرجع تقليد، قبل أن يعمل لاحقا على تثبيت مكانته عبر بناء شبكة واسعة من التحالفات داخل الدولة.

ومن هذا المنظور، قد يواجه مجتبى خامنئي مسارا مشابها خلال السنوات المقبلة، إذ سيكون مطالبا بتعزيز موقعه داخل المؤسسات الدينية والعسكرية والسياسية.

ويمنح الدستور الإيراني المرشد الأعلى صلاحيات واسعة تجعله الشخصية الأكثر نفوذا في الدولة، إذ يتولى القيادة العليا للقوات المسلحة ويملك القرار النهائي في قضايا الحرب والسلم.

كما يشرف على تعيين كبار القادة العسكريين ورؤساء مؤسسات رئيسية، إضافة إلى دوره الحاسم في إقرار السياسات الإستراتيجية التي يضعها مجلس الأمن القومي.

 

النصر نيوز

المدير العام ورئيس التحرير:     ام النصر محمد حسب الرسول

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى