تحقيق: حادثة منجم “أبوجبيهة، أعادتها إلى الواجهة،، انهيار آبار التعدين.. فخٍّ الذهب القاتل..
تحقيق: إسماعيل جبريل تيسو

وفاة “13” معدِّناً بعد أيام من حادثة مماثلة..كوارث متكرّرة..
الآبار المنهارة كانت موقوفة عن العمل بقرارات رسمية..
” الكوماجية” يشكّلون رأس الرمح في كثير من الحوادث..
رحلة البحث عن الثراء تحوّلت إلى لعنة تحصد الأرواح..
مطالبات بتشديد الرقابة وتفعيل العقوبات وتوفير بدائل..
لم تكن فاجعة منجم “أم فكرون” بمحلية أبو جبيهة في ولاية جنوب كردفان مجرد حادث عرضي في سجل التعدين التقليدي بالسودان، بل حلقة جديدة في سلسلة دامية من الانهيارات المتكرّرة التي تحصد الأرواح بلا توقف، ففي الثالث والعشرين من يناير الجاري، أعلنت الشركة السودانية للموارد المعدنية بولاية جنوب كردفان عن انهيار خمسة آبار مهجورة بمنجم أم فكرون، ما أسفر عن وفاة “13” معدنياً وإصابة 6 آخرين، إلى جانب وجود عدد من المفقودين، في حادثة أعادت إلى الواجهة سؤال السلامة الغائب في قطاع التعدين التقليدي.
قطاع حيوي ولكن
الواقع أن قطاع التعدين التقليدي في السودان، يمثل واحداً من أكثر القطاعات حيويةً وخطورة في آنٍ واحد، وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن أكثر من مليوني معدن تقليدي يعملون في هذا القطاع، مدفوعين بضيق العيش، ووطأة الظروف الاقتصادية الخانقة، وغياب البدائل، غير أن هذا الازدهار المتسارع للتعدين الأهلي تحوّل إلى هاجس يؤرق مضجع الدولة، مع تصاعد وتيرة حوادث الموت داخل الآبار والمنـاجم، في ظل ضعف الوعي بإجراءات السلامة، واندفاع بعض المعدنين إلى ركوب المخاطر وتجاوز الخطوط الحمراء طمعاً في جرامات قليلة من الذهب، غير آبهين باشتراطات السلامة والصحة المهنية ولا بالتحذيرات الرسمية، وباتت أخبار الانهيارات مشهداً مألوفاً، لا يكاد يجف فيه دم حادثة حتى تعقبها أخرى، لتبقى الحكومة في سباق دائم مع واقعٍ معقّد، تتقاطع فيه الحاجة الاقتصادية مع الفوضى التنظيمية والكلفة الباهظة للأرواح.
“الكوماجية”.. مغامرة الظل
وفي قلب هذه المأساة، تبرز ظاهرة تُعرف محلياً بـ ” الكوماجية” وهم أشخاص يشكلون رأس الرمح في كثير من حوادث الانهيار، حيث يتسلل هؤلاء القوم، مدفوعين بهوس الذهب، إلى المناجم والآبار في الساعات المتأخرة من الليل أو قبيل الفجر، بعد مغادرة أصحاب الآبار والعاملين النظاميين، ليباشروا الحفر دون أي مراعاة لاشتراطات السلامة، ولا تتوقف مغامرات ” الكوماجية” عند الآبار العاملة فحسب، بل تمتد إلى آبار ومناجم مهجورة أو موقوفة بقرارات رسمية، في تحدٍ صريح للسلطات وتحذيرات الخبراء، ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى انهيارات مفاجئة تنتهي بموت العشرات وإصابة أضعافهم، وتحوّلت ظاهرة ” الكوماجية” إلى قنبلة موقوتة، يصعب ضبطها في ظل اتساع الرقعة الجغرافية للمناجم، وضعف الإمكانيات الرقابية، وتداخل العوامل الاجتماعية والاقتصادية التي تغذي هذا السلوك الخطِير.
جهود محاصرة الانهيارات
وبوصفها الذراع الحكومي المعني بالرقابة والإشراف على قطاع التعدين في السودان، تضطلع الشركة السودانية للموارد المعدنية المحدودة بدور محوري في كبح المخاطر المصاحبة للتعدين التقليدي، وتبرز في هذا الإطار الإدارة العامة للبيئة والسلامة كإحدى أكبر إدارات الشركة من حيث الكوادر والانتشار الجغرافي، وفي إفادته لـصحيفة الكرامة، أوضح المهندس إدريس سليمان حسين، المدير المكلّف للإدارة العامة للبيئة والسلامة، أن مكاتب الشركة في مختلف ولايات البلاد، لا سيما الولايات المنتجة، لا تخلو من وجود هذه الإدارة المتخصصة، التي تُعنى بالرقابة البيئية، وإدارة قضايا السلامة، وحماية البيئة من التلوث، عبر نشر الوعي وسط المعدنين التقليديين والمجتمعات المستضيفة، وتبصيرهم بالمخاطر الناجمة عن عدم الالتزام باشتراطات السلامة والصحة المهنية، خاصة في آبار التعدين التقليدي، وأشار سليمان إلى أن من أهم الضوابط التي تركز عليها الإدارة ضرورة مراعاة المناطق ذات الحساسية البيئية، بما يشمل المحميات الطبيعية، والمناطق الزراعية والرعوية، ومواقع الآثار والمعالم الجيولوجية ذات القيمة السياحية والترفيهية، إلى جانب المناطق المحظورة من قبل السلطات المختصة، ومناطق النزاعات، وكذلك مربعات امتياز الشركات التي تحكمها القوانين والعقود ذات الصلة.
حملات إرشاد تعديني
وكشف المهندس إدريس سليمان حسين، المدير المكلّف للإدارة العامة للبيئة والسلامة عن حملات إرشاد تعديني متواصلة تنفذها الإدارة العامة للبيئة والسلامة بصورة دورية، جرى توطينها خلال السنوات الأخيرة في جميع ولايات التعدين، مستخدمةً أساليب توعوية متعددة، تشمل الدراما، والمحاضرات، والندوات، والمسابقات، فضلاً عن الحملات الميدانية المباشرة داخل مواقع التعدين. غير أن هذه الجهود، على أهميتها، لم تحقق بعد الهدف المنشود بالوصول إلى “صفر حوادث” في قطاع التعدين التقليدي، على عكس قطاع التعدين المنظم الذي تديره الشركات وفق معايير فنية صارمة، الأمر الذي يفتح الباب واسعاً أمام مراجعة أعمق لآليات الضبط والرقابة الميدانية، ويُبرز هذا الواقع الفجوة الواضحة بين التعدين المنظم والتعدين التقليدي، حيث لا يلتزم كثير من العاملين في الأخير بالإرشادات واللوائح الإجرائية الرامية إلى الحد من المخاطر، في ظل طمع مفرط، وضعف اكتراث بالسلامة الشخصية، وهو ما فاقم من وتيرة الحوادث خلال السنوات الأخيرة. ويزيد الأمر تعقيداً أن التعدين الأهلي بصورته الحالية يعود إلى قرابة عقد من الزمان، ما أدى إلى إنهاك التربة بفعل الحفر المكثف والأنفاق العشوائية، واستخدام الآليات الثقيلة، الأمر الذي يسرّع من انهيارها، وتتفاقم المخاطر عقب فصل الخريف، إذ يعاود المعدِّنون النشاط دون إجراء تقييم فني للمخاطر في الآبار التي تكون قد تشبعت بمياه الأمطار، أو بدخول معدنين جدد يفتقرون للمعرفة بطبيعة الحفر السابقة، فيقدمون على إزالة الدعامات التي وُضعت أصلاً لتفادي الانهيارات، لتقع الكارثة، وأكد سليمان أن الحد من هذه الحوادث ذات النتائج الكارثية يتطلب تضافر الجهود المحلية والقومية، عبر تنسيق محكم بين المحليات، ووزارات الصحة الولائية، وحكومات الولايات، لتفعيل لوائح البيئة والسلامة، وصولاً إلى إدارة رشيدة لقطاع التعدين غير المنظم، وحماية الأرواح البشرية التي تمثل أثمن مورد يمكن أن تُبنى به التنمية إذا ما أُحسن توظيفه.
دواعي أمنية وفنية
ويرى جيولوجي ،ورشة ناصر ورشة مدير الشركة السودانية للموارد المعدنية بولاية جنوب كردفان، أن حادثة “أم فكرون” الأخيرة ليست الأولى خلال فترة وجيزة، وقال ورشة في إفادته للكرامة إن المنجم شهد حادثة مشابهة قبل نحو 20 يوماً أودت بحياة 6 أشخاص، وبالأسباب نفسها، قبل أن تتكرر المأساة في 23 يناير، لترتفع حصيلة الضحايا إلى “15” وفاة و”6″ مصابين وفق الإحصائية النهائية، إضافة إلى عدد كبير من المفقودين، مبيناً أن المنجم كان مغلقاً لفترة طويلة لأسباب فنية وأمنية، وأنه تم رفع الأسباب الأمنية بقرار من لجنة أمن المحلية، فيما ظلت الأسباب الفنية قائمة، لكون طبيعة التربة رسوبية وغير مستقرة، تتغير طبقاتها بين الرمل والطمي والطين، ما يجعل الحفر العميق دون وسائل حديثة ودعامات فنية أمراً بالغ الخطورة، وكشف ورشة عن تسجيل انهيارات أخرى متتالية خلال الأيام نفسها، شملت منجم “سفورة” بمحلية التضامن الذي أودى بحياة “6” أشخاص، ثم منجم دلاس، مؤكداً أن الشركة وضعت خطة متكاملة تشمل التوعية وإصحاح البيئة، وحملات مكثفة تقودها إدارة البيئة والسلامة للحد من الانهيارات في الفترة المقبلة.
خاتمة مهمة
ومهما يكن من أمر.. فإن فاجعة منجم “أم فكرون”، وما تلاها من حوادث متقاربة، تكشف عن أزمة مركبة في قطاع التعدين التقليدي بالسودان، أزمة تتجاوز حدود الحوادث الفردية إلى خلل بنيوي في منظومة السلامة، وضعف الالتزام، وضغط الحاجة الاقتصادية، فبين معدنٍ يطارده الفقر، و” كوماجيٍٍّ” يغامر في الظل، وسلطاتٍ تحاول سد فجوة الرقابة بإمكانات محدودة، يبقى السؤال معلقاً: إلى متى يظل الذهب لعنةً تحصد الأرواح بدل أن يكون رافعةً للتنمية؟ إن معالجة هذه المعضلة لا تقف عند حدود التوعية وحدها، بل تتطلب إرادة سياسية، وتشديداً للرقابة، وتفعيل العقوبات، وتوفير بدائل اقتصادية، حتى لا تبقى مناجم السودان مسرحاً مفتوحاً لمآسي يمكن تفاديها… قبل أن يتحول كل منجم جديد إلى شاهدٍ آخر على موتٍ مجاني.













































