أخبار السودان

الجزيرة.. قاطرة التعافي: حين يكون القائد ميدانياً والإداري كفؤاً والرؤية وطنية

ودمدني :- تاج السر ود الخير

· نجاح ولاية الجزيرة لم يأتِ وليد الصدفة، بل هو نتاج معادلة ثلاثية نادرة في الإدارة 

السودانية

 

* قائد يتمتع بشرعية ميدانية وعسكرية،

 

* فريق تنفيذي يتمتع بكفاءة اقتصادية وإدارية، ورؤية تنتقل بوعي من طور “البقاء” إلى طور “التنافسية”.

 

· يمثل أداء حكومة الطاهر الخير نموذجاً استثنائياً لإدارة الأزمات في السودان، لكن استدامة هذا النجاح مرهونة بقدرة المركز على توفير البنية التحتية (الكهرباء والطرق) وبتحويل الوعود الاستثمارية إلى عقود إنتاجية ملموسة على الأرض.

 

· السر الحقيقي وراء هذا التعافي لا يكمن في المشاريع فقط، بل في إعادة بناء الثقة بين الحاكم والمحكوم عبر الحيادية الاجتماعية والوجود الميداني، وهي عملة نادرة في المشهد السياسي السوداني الراهن.

 

───

 

نموذج الجزيرة: قراءة في ثلاثية التعافي (الإدارة، الميدان، والإنسان)

 

في خضم الانهيارات المتلاحقة التي تشهدها كثير من ولايات السودان، تبرز ولاية الجزيرة كاستثناء حقيقي يستحق التوقف عنده طويلاً، ليس لمجرد أنها نجحت في إخراج نفسها من عنق الزجاجة بعد الدمار الذي خلفته المليشيات المتمردة، بل لأنها نجحت في بناء نموذج إداري متكامل يحمل ملامح دولة مصغّرة قادرة على المناورة، وقراءة المتغيرات، وتحويل التحديات إلى فرص. ما يقدمه والي الولاية الأستاذ الطاهر إبراهيم الخير وفريقه التنفيذي، وعلى رأسهم الأمين العام مرتضى البيلى، ليس مجرد برنامج حكومي اعتيادي، بل هو منهجية في الحكم تقوم على ثلاثي “الرؤية الميدانية، الكفاءة التكنوقراطية، والعدالة الاجتماعية”، وهو ثلاثي نادر الوجود في الإدارة السودانية التي طالما اتسمت بالمركزية والبيروقراطية المقيتة.

 

أولاً: من التطبيع إلى التجويد – إعادة تعريف دور الدولة

عندما أعلن الوالي الانتقال من مرحلة “التطبيع” إلى مرحلة “التجويد”، كان يضع إصبعه على الجرح الإداري الأعمق في السودان، فالتطبيع يعني القبول بواقع الهشاشة، والتعامل مع انقطاع الخدمات كأمر مفروغ منه، بينما التجويد هو طموح لتجاوز الأزمة نحو صناعة التميز. هذه الفلسفة لم تبقَ حبراً على ورق، بل ترجمتها حكومته في مشاريع نوعية، من مستشفى الطوارئ والإصابات الذي تجاوزت كلفة تأهيله 4 تريليونات جنيه، حيث تجهيز 3 غرف عمليات وحدة عناية بـ 15 سريراً، إلى مدينة جامعية تستوعب 672 طالبة، إلى مكتبة قصر الثقافة التي تضم 17 ألف كتاب، وإذاعة انتقلت من الترددات التقليدية إلى تطبيق عالمي على الإنترنت. هذا التنوّع في الأولويات (صحة، تعليم، ثقافة، إعلام) يشير إلى وعي إداري بأن التنمية ليست اختصاراً في مشاريع الطرق فقط، بل هي منظومة متكاملة تعيد تعريف علاقة المواطن بالدولة. لكن، وبوصفي كاتباً متابعاً، أرى أن التحدي الحقيقي في هذه النقطة لا يكمن في الافتتاح، بل في الاستدامة التشغيلية لهذه المرافق في ظل شح الموارد، وهنا يظهر دور وزير المالية عاطف أبو شوك، الذي يدرك أن توفير الميزانيات التشغيلية يحتاج إلى عقلية اقتصادية تبتكر آليات تمويل غير تقليدية، وهو ما يضعنا أمام السؤال الأهم: هل تم تخصيص ميزانيات صيانة وقائية لهذه الأجهزة الطبية المتطورة (كجهاز الأشعة المتحرك الأول من نوعه) أم سنظل ندور في حلقة مفرغة من الاستيراد والانهيار؟

 

ثانياً: الاستثمار كرأس حربة – قراءة في ورشة العمل الاقتصادية

ما شد انتباهي في السياق الاقتصادي هو التلاحم الواضح بين الرؤية السياسية والكفاءة التنفيذية في ملف الاستثمار. فبينما يرسم الوالي الصورة الكبرى حول مقومات الولاية الزراعية والحيوانية والبشرية، يأتي دور مفوض الاستثمار أمير يحي لتقديم آليات تفعيل هذه المقومات عبر تبسيط الإجراءات وتوفير الحوافز، ووزير المالية لضمان استقرار السياسات المالية. هذه الثلاثية تمثل “حزمة متكاملة” طالما افتقدتها الولايات السودانية، فكثيراً ما كانت الخطط الاستراتيجية تتعثر في دهاليز الروتين أو تتعارض مع سياسات الوزارات المركزية. لكن ما يعزز ثقتي في نجاح هذه التجربة تحديداً، هو أن مفوض الاستثمار يمتلك خبرات تراكمية وعلاقات واسعة مع بيوت الخبرة، وهو ما يعني أن الولاية تمتلك الآن “بوابة اتصال” حقيقية مع رؤوس الأموال، وليس مجرد مكتب لإصدار التراخيص. ومع ذلك، فإن قراءتي الناقدة لهذا الملف تقف عند نقطتين: الأولى، أن النهوض بالاستثمار يتطلب بنية أساسية جاذبة، وأزمة الكهرباء وانقطاع التيار في كثير من القرى الزراعية تمثل عقبة حقيقية لا يمكن تجاوزها بالكلمات، لذا أنتظر تحركاً أكثر عدوانية نحو المركز لتوفير المحولات وحلحلة شبكات النقل. والثانية، أن إعادة الصناعة التحويلية، وخاصة الصناعات الغذائية المرتبطة بالحواشات والجروف، هي السبيل الوحيد لتوفير القيمة المضافة والعملات الأجنبية، وهذه تحتاج إلى استراتيجية طويلة المدى لا تقتصر على الورش، بل تمتد إلى إعادة تأهيل المصانع المتضررة وتأمين سلاسل الإمداد.

 

ثالثاً: الحيادية الاجتماعية وإدارة النسيج – سر الثقة المفقود

ربما يكون الجانب الأكثر تميزاً في أداء والي الجزيرة، وهو الجانب الذي يتغافل عنه الكثير من المحللين، هو قدرته الفائقة على إدارة النسيج الاجتماعي في وقت كانت النعرات القبلية والخطابات العنصرية تهدد بتمزيق ما تبقى من لحمة الولاية. ليس مجرد ذهابه إلى الكنابي وتجميع الأهالي ومخاطبتهم، بل استمراره في البرامج التوعوية والمصالحات، ما أعاد الثقة المفقودة بين مكونات المجتمع المحلي. في مجتمع سوداني يعاني من “جروح طائفية” عميقة، امتلاك والٍ لحيادية مطلقة وعدم انحيازه لأي طرف أو أجندة، يجعله “عملة نادرة” حقاً. لكن ما يزيد الأمر أهمية، هو أنه لم يكتف بالجانب الوعظي، بل تعامل مع الجذور المادية للتوتر عبر تفعيل الإدارة الأهلية، واستنهاض الجهد الشعبي لإعمار القرى، وإعادة تشغيل محطات المياه والمستشفيات الريفية. فالسلم الاجتماعي لا يُبنى بالخطب فقط، بل بضمان توفر الماء والكهرباء والخدمات الصحية، وهو ما أدركه الوالي مبكراً حين ربط ملف الاستقرار بملف معاش الناس.

 

رابعاً: قائد ميداني ورجل دولة استثنائي

اللافتة الأبرز في تاريخ هذه الحكومة هي المشهد الذي يبدو وكأنه مأخوذ من أفلام الحرب، حيث يقف الوالي في الصفوف الأمامية مع الجيش أثناء التحرير، ويتعرض لكمين حقيقي في منطقة الشكابة، ويسلم نفسه لمخاطر حقيقية قد تفقده حياته. هذه المشاهد ليست بروباغندا، بل هي فعل قيادي يعيد تعريف مفهوم “والي الولاية” من كونه إداريًا مكتبياً إلى شريك فعلي في المعركة الوطنية. تأجيله لعملياته الجراحية المستحقة منذ عامين، ووضعه صحته على المحك من أجل البقاء في الميدان، هو تضحية نادراً ما نراها في طبقة السياسيين التقليديين، وهذا ما منحه شرعية شعبية لا تزعزعها الانتقادات. لكن، وهنا يحضر دوري كناقد، لا يمكننا تجاهل خطورة هذا الأسلوب على المدى البعيد؛ فالحكم المؤسسي يحتاج إلى قائد يتمتع بصحة جيدة، وتأجيل العمليات الجراحية قد ينقلب إلى نقطة ضعف إذا ما تعقدت الحالة الصحية. هنا يأتي الدور المحوري والاستراتيجي للأمين العام (نائب الوالي) الأستاذ مرتضى البيلى، الذي أثبت، حين لزم الوالي الفراش، أنه سد منيع وقادر على إدارة عجلة الحكومة بكفاءة استثنائية في ملفات الأمن والإمداد والخدمات، ليشكلا معاً منظومة “قائد رؤيوي” و”إداري تنفيذي” تغطي أي فجوات طارئة، وهو ما يؤهل الحكومة لمواجهة أي متغيرات مفاجئة.

 

خامساً: الرؤية النقدية للكاتب – بين الإعجاب والترقب

بصراحة، وبعيداً عن المجاملات، أرى أن حكومة الطاهر الخير قد نجحت في معادلة صعبة للغاية: استعادة هيبة الدولة في ولاية كانت على حافة الهاوية أمنياً واجتماعياً، مع تحقيق إنجازات ملموسة في قطاعات حساسة. هذا النجاح يعود إلى ثلاثة عوامل رئيسية أولها، الشخصية الاستثنائية للوالي التي جمعت بين الحزم العسكري والحيادية السياسية واللمسة الإنسانية، وثانيها، التناسق الفريد بين الفريق التنفيذي (البيلى، أبو شوك، أمير يحي)، وهو ما يثبت أن نجاح الإدارة ليس فردياً بل جماعياً، وثالثها، أولوية معاش الناس التي وضعتها الحكومة فوق أي اعتبارات حزبية أو ضيقة.

 

ومع ذلك، يبقى التحدي الأكبر أمام هذه النهضة هو التالي:

 

· الهشاشة المؤسسية: هل ستتحول هذه النجاحات إلى نظام دائم يتجاوز وجود أفراد بعينهم؟ البيروقراطية السودانية معروفة بقدرتها على التهام المبدعين، لذا أنصح بتوثيق هذه التجارب في لوائح وإجراءات نافذة.

· الاعتماد على المركز: لا يمكن للجزيرة أن تنتعش اقتصادياً دون حل جذري لمشاكل المحولات الكهربائية وشبكات الطرق الرئيسية، وهذا يتطلب ضغطاً سياسياً منظماً على الحكومة الاتحادية، وليس مجرد انتظار.

· التحول من الورش إلى العقود: ورشة الاستثمار كانت خطوة إيجابية، لكن الإنجاز الحقيقي سيكون بتحويل مخرجاتها إلى عقود تشغيل وصيانة للمشاريع الزراعية والصناعية، وإلا سنظل نراوح في دائرة “الوعود التنموية”.

 

أخيراً: الجزيرة كبوصلة للدولة السودانية الجديدة

في مشهد عام تبدو فيه الدولة السودانية في أضعف حالاتها، تقدم ولاية الجزيرة نموذجاً متكاملاً لإدارة الأزمات، يحمل في طياته دروساً للمركز نفسه. إن الانتقال من مرحلة “إصلاح ما دمرته الحرب” إلى مرحلة “صناعة المستقبل” ليس مجرد شعار انتخابي، بل هو استراتيجية وجود تنطلق من قناعة راسخة بأن الإنسان الجزيراوي، بموارده وعراقته، يستحق أكثر من مجرد خدمات متقطعة. وقد أثبت الوالي الطاهر وفريقه أن الإرادة السياسية، حين تلتقي بالكفاءة الإدارية، وبالوجود الميداني، وبالعدالة الاجتماعية، يمكنها أن تصنع المستحيل.

 

لكن، وقبل أن نطلق الأحكام النهائية، يجب أن ندرك أن “التجويد” ليس محطة نهاية، بل هو رحلة مستمرة من التقييم والتطوير. وإن كانت هذه الحكومة قد نجحت في إعادة تشغيل المحركات، فإن معيار نجاحها الحقيقي سيكون في قدرتها على الحفاظ على هذه السرعة وتجاوز المطبات القادمة، خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية العالمية والإقليمية المضطربة. أريد من هذا المقال أن يكون شهادة تقدير لرجل وضع الجسد في طريق الرصاص، ورجل إدارة أوقف الساعة الإدارية عند حدود الإتقان، ولكن مع دعوة صريحة للانتقال من “عبقرية الفرد” إلى “ديمومة المؤسسة”، فهذه هي الطريق الوحيد لجعل “استثناء الجزيرة” قاعدة يُحتذى بها، وقاطرة يعول عليها السودان كله في زمن التعافي المنشود.

النصر نيوز

المدير العام ورئيس التحرير:     ام النصر محمد حسب الرسول

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى